Friday, July 22, 2016

أهمية التشريعات الصحفية في المجتمعات المعاصرة


أهمية التشريعات الصحفية في المجتمعات المعاصرة



نجم العيساوي



مقدمـــــة

تشكل إستراتيجيات الاتصال في المجتمعات ما بعد الصناعية، أو في مجتمعات ما بعد الحداثة، هاجساً دائماً وانشغالاً مؤرقاً للمشتغلين والمهتمين بإدارة وتسيير هذه المجتمعات من سياسيين ومخططين وعلماء ومنفذين... تتمركز حول توفير أدوات وآليات إنتاج المعرفة انطلاقاً من البحث عن المادة الخام لـ"الصناعة" المعرفية، المعلومة وتنظيمها وتخزينها واستعادتها وتداولها، عند الضرورة، عبر مختلف وسائط الاتصال الفردية والجماعية الجماهيرية التقليدية منها والإليكترونية.



     هذا الانشغال الدائم المؤرق للسلطات العمومية والتنظيمات السياسية وجمعيات المجتمع المدني، بما فيها النقابات المهنية الإعلامية على الأصعدة القطاعية والمحلية والوطنية والإقليمية والدولية، في كل المجتمعات، أملته، إلى حد ما على المستوى الوسائطي[1]، التحولات العميقة التي يحدثها التطور السريع لوسائل الاتصال الجماهيري، الجماعي والفردي، التقليدي والإلكتروني أو الرقمي، وكذلك بالنظر إلى الاتساع المضطرد لنطاق التدفق الحر للمعلومات متجاوزاً الحدود الجغرافية والعراقيل والمعوقات التقنية والإدارية والسياسية والثقافية...



    وعادة ما يصاحب التغيرات في الظواهر التقنو-اجتماعية، تغيير في إطارها القانوني، غالباً بطيء، يرمي نظرياً، إلى ضمان نوع من التوازن والانسجام بين مصالح وحقوق الأطراف المختلفة التي لها أسباب وغايات مختلفة إن لم تكن متباينة، وهو الإطار الذي يتسم عادة بنوع من الثبات نظراً لطبيعة المجال الذي يحاول تنظيمه  والذي يرتبط ارتباط وثيقاً بمنظومة القيم السائدة في مجتمع من المجتمعات في فترة من الفترات الزمنية غالباً ممتدة في الزمان لاسيما عندما يتعلق الأمر بالقيم الروحية.



     ترى كيف تتطور المظاهر القانونية الشرعية ضمن إستراتجيات الاتصال الحديثة التي أصبحت ضرورة  لا غنى عنها في كل مجتمع كلاسيكي أو حديث إليكتروني- معلوماتي، حيث لازالت السلطات العمومية تتشبث باحتكار وامتلاك المعلومات مصداقا للمقولة الشهيرةّ  "من يمتلك المعلومة يمتلك السلطة" ولازال المواطن يأمل في افتكاك الاعتراف بحقه في امتلاك هذه المعلومات وتوظيفها في ممارسة حقه في السلطة وفي السيادة، أي حقه في تقرير مصيره وفي اختيار الحكام عن دراية و إدراك ووعي. وما هي طبيعة الدور الذي تلعبه تكنولوجيات الإعلام والاتصال المتجددة[2] في هذه المعادلة بين ميول السلطات في كل مكان وزمان إلى فرض سيطرتها على المجتمع ومؤسساته وبين طموحات المواطن في التخلص من هذه السيطرة والتمتع بحقوقه الأساسية وفي مقدمتها الحق في الإعلام أو بعبارة حديثة أشمل الحق في الحق الاتصال[3]؟



       تتجه الديمقراطيات الحديثة، من خلال التشريعات المتعلقة بالإعلام، إلى تجسيد مبدأ سيادة المواطن الكاملة، وتلح على أن مؤسسات دولة القانون هي وسائل فقط، تستمد وجودها وشرعيتها واستمرارها من رضا المواطن عن أداء المرافق العمومية وأعوان الدولة الذين هم موارد بشرية مسخرة لتجسيد سياسة دولة المواطنة.



    في هذا السياق العام، نحاول من خلال هذه الورقات، المقارنة بين المبادئ العامة التي تقوم عليها التشريعات الإعلامية الحديثة، بهدف وضع تصور جديد للتشريع الإعلامي، متكيفا مع طبيعة قانون الإعلام، كما هو متعارف عليه عموما في المواثيق الدولية، والذي يفترض أنه يعني بالحق في الإعلام كحق  شامل من حقوق المواطن والإنسان،  ولا يقتصر فقط على حق الإعلاميين المحترفين في الوصول إلى مصادر المعلومات والاطلاع على الآراء وتبادلها عبر وسائط الإعلام الجماهيرية، وهو يخاطب بالضرورة السلطات العمومية  والجهات التي تمتلك المعلومات،  وخاصة الرسمية منها التي يحتاجها المواطن لتوظيفها في اتخاذ القرار الذي يراه مناسباً، للإنسان في صيغة الجمع، ويأمرها بالعمل على توفير الشروط والظروف التي تمكن المواطن من الوصول إلى المعلومة تطبيقاً لقاعدة الحق في الإعلام الذي تكرسه معظم دساتير الدول الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة والتي صادقت على الاتفاقيتين الدوليتين المتعلقتين بالحقوق المدنية  والسياسية  والحقوق الاقتصادية  والاجتماعية الصادرة منتصف العقد السابع من القرن الماضي.



      ومن جهة أخرى، نحاول في هذه الدراسة، إبراز ضرورة تنظم مهنة الصحافة ووسائط الاتصال الجماهيري الأخرى طبقا للقوانين العامة التجارية والمدنية والجنائية  والأخلاقيات ومواثيق الشرف المهنية،  في سياق التصور العام للتشريع الإعلامي الحديث، خاصة في سياق الوظائف الإعلامية والثقافية للشبكة العالمية العنكبوتية، الانترنت، لاسيما وظيفة النشر الإلكتروني ووظيفة توزيع منتجات الصناعات الثقافية وإيصال الخدمة وتسليمها عند باب البيت "Home Delivery"[4].



        ويبدو لأول وهلة، أن هناك تناقضا جوهريا ترسخ في الأدبيات الإعلامية للثقافة الليبرالية المنتجة والمعممة للأنظمة التقليدية والحديثة لوسائل الاتصال الجماهيرية، حيث أن وضع قوانين للصحافة ووسائل الإعلام الجماهيرية، طبقا للمبادئ الليبرالية، يفضي بالضرورة إلى وضع قواعد ملزمة تتنافى في طبيعتها مع أبسط مبادئ حرية تداول المعلومات والأفكار والآراء في السوق الإعلامية الحرة، طبقا للمادة الأولى من التعديل الأول للدستوري الأمريكي التي تمنع الكونغرس الأمريكي، وهو أعلى سلطة في النظام الدستوري الأمريكي، من إصدار قانون يحد من حريات الإنسان [5].



     فعند الحديث عن تلك القوانين الخاصة في علاقتها بحرية تداول الإعلام، يتبادر إلى الذهن تلك القيود التي عملت السلطات العمومية على إنشائها في شكل قوانين تضفي الشرعية على أعمال تقيد حرية الصحافة ووسائل الإعلام الجماهيري الأخرى.



     ويبدو هذا الإشكال كنتيجة متراكمة لعلاقات الصراع بين السلطة  والصحافة الذي يطبع تاريخ الصحافة منذ اختراع حروف الطباعة على يد "غوتنبورغ " في القرن 15 الميلادي، إلى الحروف البصرية التي أوجدها النظام البيناري في المعالجة الالكترونية للكلمات، وقد قاد هذا الإشكال وحدد نطاق معظم الدراسات القانونية – الإعلامية التي دأبت إما على "تجريم" الصحافة ووسائل الإعلام، وبالتالي شرعنة تدخل السلطات العمومية بالردع والزجر أو على "تجريم" السلطة وبالتالي اتهامها بخرق حرية الصحافة ووسائل الإعلام.



    غير أن هذا الإشكال بدأ يزول تدرجيا، لما أخذت مبادئ المسؤولية الاجتماعية لوسائل الإعلام الجماهيرية تشق طريقها إلى مواثيق الشرف وأخلاقيات المهنة الإعلامية ، بدأت طبيعة التشريعات الإعلامية تتغير من التركيز أساسا على تقييد حرية الإنسان، خاصة في ظل مبادئ النظرية السلطوية، إلى التركيز أصلا على تدعيم الضمانات القانونية لممارسة هذه الحريات وتوسيع مجالاتها بتقليص صلاحيات السلطات العمومية، بما فيها السلطة التشريعية  والتزامها بتوفير الشروط المادية والتقنية لتمكين المواطن أو الإنسان من ممارسة هذه الحريات وتوسيع مجالاتها بتقليص صلاحيات السلطات العمومية.



    التشريعات الإعلامية الحديثة، تتجه إذن وخاصة بعد أفول مفهومي الإعلام الاشتراكي والإعلام الإنمائي، إلى رفع القيود القانونية والإدارية والمادية  والتكنولوجية التي تحول دون تمكن الإنسان من ممارسته الحرة لحقه في الإعلام.

   وقد بدأ التفكير جديا منذ سبعينيات القرن العشرين في وضع تصور جديد لمفهوم أكثر شمولية لحرية التفكير والرأي والتعبير والصحافة والإعلام وغيرها من الحقوق المرتبطة بالحق في الوصول لمصدر المعلومة،  يسمى الحق في الاتصال يتضمن جمع الحقوق التي اكتسبها الإنسان والتي قد يكتسبها بفضل التطور الفكري والعلمي والتكنولوجي.



      في محاولة لفهم وإدراك واستيعاب ملابسات هذا الإشكال المعقد، ومحاولة تجاوز نطاق معالجة العلاقة التصادمية بين السلطة والصحافة، وتماشيا مع التطورات الفقهية  والتكنولوجية الحديثة، تقترح هذه الورقة معالجة المفاهيم المرتبطة  بحرية الإعلام والاتصال وأحكام التشريعات الحديثة للإعلام في ضوء المنطلقات التمهيدية  لمتطلبات الألفية الثالثة التي تتوجها "مظلة" الثقافة الليبرالية المعممة، وتحت تأثير الأثر البالغ لتكنولوجيا الاتصال التي (شبَّكت) العالم، وجعلته بحق قرية متناهية في الصغر من حيث سرعة تدفق المعلومات وتداولها على نطاق واسع لا يخدم حرية الإنسان الفرد وحسب، ولكنه يمكن السلطات نفسها من اتخاذ القرارات المناسبة لخدمة هذا الفرد الذي هو علة وجودها، وفقا للأسس النظرية لثقافة القرن الواحد والعشرين.



1- مفهوم التداول الإعلامي الحر



خلفية فلسفية :

نظرية حرية الصحافة وانعكاساتها على التشريعات الإعلامية الأولية، ينصرف التفكير عند الحديث عن التداول الإعلامي الحر إلى المقولة البراغماتية التي باتت من المسلمات في المجتمعات الليبرالية الحديثة مفادها أن (السوق الحرة مكان للأفكار الحرة). وعلى الرغم من تعدد وتنوع الوسائل واتساع مجالات تداول المعلومات والأفكار والآراء، والتي يطلق عليها (السوق  الحرة) كمنظومة مبادئ فلسفية  وممارسات،  فإن العادة جرت على دراسة هذا الموضوع في نطاق تطور نظرية حرية الصحافة لكون الصحافة أقدم وسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية، ارتبطت بها تاريخيا الصراعات المتعلقة بعلاقة الفرد بالسلطة (روحية أو اجتماعية أو سياسية) خاصة في مجال حريات الفرد الأساسية من مثل حريات التفكير والكلام والرأي والتعبير، حتى وإن كانت حرية الصحافة في التشريعات الحديثة تنصرف أكثر إلى حريات النشر والطبع  والتأليف وتوزيع المنشورات، فان أنواعا لا متناهية من حقوق الإنسان مثل الحق في الإعلام والحق في الاتصال والحق في الاطلاع وحق رفض الاتصال لها جذور فلسفة وتاريخية مشتركة مع مفهوم حرية الصحافة.



    إن مفهوم التداول الحر للإعلام يستدعي إذن الرجوع إلى الإطار الفلسفي والقانوني والتطبيقات الميدانية  لمفهوم حرية الصحافة في ظل الثقافة الليبرالية، وهذا يقودنا إلى تناول خلفيات المفهوم الأخير ومكوناته  وممارسته من خلال القوانين والتطبيقات الميدانية.



         لقد نشط البحث في ميدان وسائل الاتصال الجماهيرية بكيفية غير معتادة خلال النصف الأخير من القرن العشرين، وبداية العشرية الأولى من القرن الحالي[6]. و قد نجم عن ذلك وضع عدد كبير من النماذج والمقاربات و النظريات التي تساعد على فهم إشكالية و سائل الإعلام الجماهيرية، ومن بين هذه النظريات وأقدمها نظرية "الصحافة الحرة"  أو "النظرية الليبرالية  لوسائل الاتصال الجماهيرية".



      وقد أصبحت فرضيات ومبادئ هذه النظرية موضوع خلاف حاد بين المفكرين والسياسيين والمهنيين على ضوء الحقائق الاجتماعية ووضعية السيولة الإعلامية عبر أمم العالم. وفي نفس الوقت أصبحت تلك المبادئ  والفرضيات أهدافا تصبو إليها بعض الأمم في خضم حمى الإصلاحات التي تجتاح العالم تحت تأثير الأزمة العارمة  وازدياد تحكم الغرب الليبرالي، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية،  في تشكيل  وتوجيه مصير العالم  وإدارة الشؤون الأممية.



   لعل من المفيد استعادة بعض الأحداث التي أثرت إلى حد ما في تطور مفهوم حرية الصحافة واستعراض المبادئ العامة السائدة. لان فهم الصحافة يتطلب فهم النظام و الرقابة الاجتماعية حيث تحدد العلاقات بين الأفراد و المؤسسات. كما أن وسائل الاتصال الجماهيرية تأخذ "شكل و" لون" البنيات الاجتماعية و السياسية التي تعمل في ظلها و أكثر من ذك، فان دراسة الأنظمة الاجتماعية في علاقاتها مع الصحافة تتطلب النظر في الاعتقادات و القيم القاعدية السائدة في مجتمع ما. فالاختلافات الموجودة بين أنظمة الاتصال الجماهيري في عالم اليوم هي اختلافات فلسفية وعقائدية في أساسياتها.



تطور مفهوم حرية الصحافة

   وقد بدأ الاهتمام تاريخيا بحرية الصحافة مع اكتشاف طباعة الحروف التي أحدثت ثورة فعلية في أنماط نشر الأنباء والأفكار والآراء... إلى درجة أن المطبوعة التي نسميها اليوم "الصحافة" أصبحت تعتبر مصدرا أساسيا للإعلام و نشر المعرفة.



     ومع تلك الأهمية التي اكتسبتها الحروف المطبوعة، فإن الصحافة بدأت تعمل تحت الرقابة الصارمة للملوك، وقد مر قرنان تقريبا قبل أن تشرع الصحافة المطبوعة في الانتشار على نطاق واسع، ويرجع ذلك التأخر إلى تلك الظروف الفلسفية والسياسية السائدة عند ظهور الصحافة إذ نشأت في ظل سيادة المبادئ السلطوية.



   ففي ذلك المجتمع، لم تكن الحقيقة شيئا مختلفا عما يعتقده أقلية من الأفراد "الحكماء" أنهم يعلمونه  وما يعتقدون أن الشعب في حاجة إلى معرفته  ومؤازرتهم فيه. وقد كانت علاقة الصحافة بالسلطة مستمدة من الفرضيات الفلسفية القاعدية للفكر السلطوي الذي يعتبر الفرد في خدمة الجماعة، وبالتالي يجب أن يخضع إلى المجتمع متمثلا في مؤسساته  وفي مقدمتها الدولة التي يفترض فيها أنها تعمل على إقامة النظام و استتباب الأمن و السلم الاجتماعيين  في صالح الجميع. فكانت الصحافة إذن حرة مع الدولة. وهذا النوع من التفكير ساد مجموع النظريات السلطوية للحكم من تفكير أفلاطون إلى ممارسة هتلر المتأثرة بفلسفة هيجل ونيتشة.



     غير أن القرن العشرين، وخاصة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، شهد تحولا نوعيا في ما يسمى "الأمم المتحضرة" [7] الذي اعتنق المبادئ الليبرالية كنظام اجتماعي وسياسي، وقد أصبحت اليوم معظم دول العالم تقيم "نظرياً" تنظيمها السياسي و الاجتماعي على تلك المبادئ ، وتؤكد النظرية الليبرالية على أهمية الفرد وقدرته على التفكير وعلى قدسية حقوقه وحرياته الطبيعية ، ومن بينها حرية المعتقد وحرية التفكير ثم حرية التعبير التي تعتبر حرية الصحافة أعلى أشكال تطبيقاتها. غير أن هذه الحرية لم توجد دائما في الواقع، وأن التفكير السلطوي لازالت آثاره قائمة في معظم الأنظمة السياسية في بقع كثيرة من العالم، فما هو واقع حرية الصحافة في المجتمعات التي نشأت فيها؟



       إن حرية الصحافة كفرضية نظرية لها شكل قاعدي يتمثل في أن كل واحد حر في نشر ما يريد، وهذا الحق هو امتداد لحقوق أخرى، إذ إن حرية الصحافة حسب النظرية الليبرالية هي حق ملكية،  وإن المالكين أو الأفراد الذين فوضوهم السلطة لهم الحق في تسيير منشوراتهم كما يشاؤون لا يقيدهم في ذلك إلا القانون ومن أجل الصالح العام.



    ويتفق فقهاء الإعلام على وجود عناصر تتكون منها نظرية الصحافة الحرة، لازالت سائدة في الفكر الإعلامي الغربي مع بعض التغيرات التي طرأت عليها بتأثير من نظرية الخدمة العمومية (في الإذاعة والتلفزة) ونظرية المسؤولية الاجتماعية لوسائل الاتصال الجماهيرية  كما حددها الرواد الأوائل للفقه الإعلامي ضمن أشهر مقاربات الاتصال الجماهيري [8].



وأهم مكونات نظرية الصحافة الحرة ما يلي:

- إن النشر يجب أن يكون حراً من أي رقابة مسبقة.

- إن النشر والتوزيع ينبغي أن يكونا مفتوحين لشخص أو مجموعة من الأشخاص بدون رخصة.

- الانتقادات الموجهة لأية حكومة أو حزب رسمي لا ينبغي أن يعاقب عليها حتى بعد حدوثها.

- لا يجب أن يكون هناك التزام بنشر أي شيء.

- نشر "الخطأ" محمي مثله مثل نشر "الصواب" في ميادين الرأي والاعتقاد.

- لا يجب أن توجد قيود على تصدير واستيراد أو إرسال أو استقبال الرسائل الإعلامية عبر الحدود الوطنية.



     غير أن هذه المبادئ أصبحت، كما يقول (جيمس  كاران)[9] من جامعة لندن، غير مقنعة مع اتساع الهوة بين النظري  والواقع، ويؤكد تقرير رسمي لإحدى اللجان الملكية  البريطانية للصحافة (1962) على أن "مبادئ الصحافة الحرة حسب الإيديولوجية الليبرالية، أصبحت غير ملائمة مع ظروف الصحافة العصرية  وعلاقاتها مع السلطات العمومية.  فمن جهة تميل الحكومات في كل مكان إلى فرض رقابتها على الصحافة  والإذاعة والتلفزة، كشرط أساسي لفرض سيطرتها على المؤسسات الأخرى مثل البرلمان والأحزاب السياسية، وأكثر من ذلك على الرأي العام، ومن جهة أخرى أصبح حق الفرد في نشر ما يريد متناقضاً مع المصلحة العامة، وان وسائل الإعلام الجماهيرية  أصبحت شبه محتكرة من قبل أقلية تمتلك السلطة الاقتصادية، وبعبارة أخرى، فان حق كل فرد أصبح مقتصراً على حق الناشر أو المالك أكثر ما هو حق عام للأفراد[10].



وقد عبر عن هذا الواقع تقرير رسمي لاحق للجنة الملكية للصحافة (1977) جاء فيه أن "العائق الرئيسي لمبدأ الصحافة الحرة هو تمركز الملكية  بيد أقلية تراقب الصحافة".



   وبالفعل فان شخصين  "مردوخ" و"ماكسويل" يراقبان ثلثي مجموع الصحف اليومية والأسبوعية التي تباع في المملكة المتحدة، وقام مردوخ بفتح قنوات تلفزيونية ترسل عن طريق الأقمار الصناعية.



    إن هذه الوضعية التي لا تختلف كثيرا عن الأوضاع السائدة في كل مجتمع ليبرالي أثارت نقاشا رسميا وفكريا حول وسائل الاتصال الجماهيرية  وممارسة الحقوق الإنسانية عبرها، حيث تؤكد التقارير والتحاليل المعدة  في هذا السياق أن "رقابة المالكين على الصحافة فقدت مبرراتها الشرعية بالنظر إلى التبريرات التقليدية التي تجاوزتها الأحداث".



     وعلى مستوى النقاش الفكري، ظهرت نزعة المسؤولية الاجتماعية لوسائل الاتصال الجماهيرية منذ الأربعينيات أدخلت تعديلات على مبادئ الصحافة الحرة، فأصبحت الحرية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالمسؤولية الاجتماعية، كما أن الدعوة إلى وضع نظام إعلامي جديد كانت تندرج ضمن النقاش الفكري حول حرية الصحافة ومسؤولياتها الأخلاقية الدولية.



     يرى محمد الصمودي، وزير تونسي سابق، عضو لجنة ماك برايد الدولية لدراسة مشاكل الاتصال الدولي، ضرورة مراجعة الوثائق الدولية لتصحيح مفهوم حرية الإعلام وممارستها في ظل معطيات العصر، حيث إن المبادئ التقليدية لنظرية الصحافة الحرة أصبحت غير قادرة على استيعاب موجة الأفكار الجديدة في المجتمعات الليبرالية نفسها  وخاصة انعكاسات تكنولوجيات الاتصال الحديثة[11].



التطبيقات التشريعية نظرية حرية الصحافة:

 إن أول تطبيق لنظرية الصحافة الحرة في ظل سيادة المبادئ الليبرالية هو أن الصحافة يجب أن تكون حرة من رقابة الدولة وملكيتها، فمهمة الصحافة الأولى أنها تعمل كحارس أمين ضد التجاوزات، سياسية كانت أم اقتصادية، فهي "السلطة الرابعة" مهمتها الحرص على إبقاء التوازن بين السلطات الأخرى في الدولة، وتستمد الصحافة شرعيتها من كونها ممثلة للرأي العام، إذ هي وسيلة لمراقبة نشاطات الحكومة وأعمالها فينبغي أن تكون مستقلة عن الحكومة.



     إن حرية الصحافة طبقا لمبدأ "السوق الحرة مكان للأفكار الحرة" تجد دلالاتها الكاملة في تطبيقات حق الفرد في نشر ما يشاء وفي مبادئ التعددية في الأفكار والمحتوى. يقول (كاران) في هذا الصدد انه: "طالما أن حرية النشر غير مقيدة من طرف الدولة، فإن كل رأي هام يجد صدى له في الصحافة".

ويضيف مفسراً رأي الناشرين والمالكين أن " اليد الخفية للسوق الحرة تضمن مطابقة مصالحهم (الناشرين) مع الصالح العام"[12].



    إن حرية الصحافة في المجتمعات الليبرالية ينظر إليها كجزء هام من حرية الرأي التي هي بدورها جزء رئيسي من النظام الديمقراطي،  وقد قامت بعض الدول الليبرالية  والمنظمات الدولية  والجهوية بوضع قواعد شرعية وأخلاقية مستمدة أساسا من مبادئ الثورة الفرنسية (1789) والثورة الأمريكية (1776) حيث تكتسي الوثائق الأممية (الصادرة عن الأمم المتحدة ومنظماتها المختصة) المتعلقة بحرية الإعلام والصحافة صبغة ليبرالية، ومن تلك الوثائق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان(1948) والمعاهدتان الدوليتان حول الحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية  والاجتماعية (1966).



     وعلى مستوى إقليمي هناك المعاهدة الأوربية لحقوق الإنسان (1951) التي أكدت في مادتها العاشرة المبدأ الذي نصت عليه المادة(19) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان "كل واحد له الحق في حرية التعبير،  وهذه الحرية تتضمن حرية تكوين الرأي واستلام ونشر الإعلام والأفكار من دون تدخل للسلطات العمومية  وبصرف النظر عن الحدود". وتبدو الصبغة السياسية جليا من مضمون هاتين المادتين، حيث كانت الدول الليبرالية  تسعى من وراء ذلك إلى ضمان "الحقوق المدنية" التي كانت تعتقد أنها "مهددة" من قبل الأنظمة الشيوعية في شرق أوربا. وعلى الرغم من أن المعاهدة الأوربية ليست قانونا ملزما، فهي تشكل قاعدة تقررت بمقتضاها عدة قضايا وأنشئت تبعا لها عدة قوانين.



     ففي بريطانيا مثلا، حيث لا يوجد قانون خاص بالصحافة،  فان القواعد العرفية وقانون "حرية الكلام"  وقانون "حماية البيانات" وقانون "حرية المعلومة" [13] وكذلك التقاليد الحضرية  والأخلاقيات المهنية  قد أثبتت فعاليتها في حماية حرية الصحافة والإعلام.



        ويختلف الأمر في الولايات المتحدة، إذ على الرغم من انتمائها إلى المدرسة الأنجلوسكسونية،  فقد أدرجت حرية الصحافة ضمن التعديل الأول للدستور [14] وجعلتها مادة جامدة، حيث جاء فيها أن "الكونغرس لا يجب أن يسن قانونا يمنع أو يحد من..حرية التعبير أو حرية الصحافة " .



فإلى جانب هذا الضمان الدستوري لحرية الصحافة وبالتالي حرية الإعلام، فان الولايات المتحدة سنت قانونا خاصا بحرية الإعلام (1974) وكذلك فعلت كندا (1974) واستراليا (1978) ونيوزلندا (1983)، وكانت السويد قد سبقت إلى ذلك من خلال سلسلة من القوانين (1776، 1949، 1991).

فبمقتضى هذه القوانين، فان أي مواطن من أفراد المجتمع له الحق في الوصول إلى مصادر الإعلام الرسمي، إذ يمكن أن يستفسر الحكومة عن أسباب وأهداف وملابسات أي قرار رسمي، ويصل الأمر في نيوزيلندا إلى اعتبار الوصول إلى مصادر هذه المعلومة من حقوق الإنسان وليس المواطن النيوزيلندي فقط.



    وتشكل هذه القوانين درجة عالية من الضمانات الشرعية لحرية الإعلام والحريات المجاورة لها من مثل حرية الصحافة، طالما أن وسائل الاتصال الجماهيرية أصبحت المصدر الرئيسي للإعلام، وكانت بداية لتغيير طبيعة توجهات التشريعات الإعلامية الحديثة على المستويات الوطنية.



          وعلى الرغم من هذه الضمانات القانونية والدستورية، فان القول بان حرية الصحافة ممارسة كلية لا يتطابق مع الواقع. يرى "روتنبرغ"  أن "في بعض الأحيان يعلن القانون رسميا أن الصحافة مفتوحة لكل واحد يرغب في التعبير عن رأيه بحرية، غير أن هذه الحرية محفوفة بجملة من القيود و الموانع تجعلها مجرد فكرة فلسفية نظرية"[15]



التشريعات الصحفية:  

إن القيود التي ترد على حرية الصحافة ذات طبيعة إدارية أو سياسية أو اقتصادية، وقد تكون شرعية أو غير شرعية، ومهما كانت طبيعتها فإنها تؤثر بصفة مباشرة أو غير مباشرة في تجسيد مبدأ حرية الإعلام.



وتحديد حرية الصحافة شرعيا يهدف إلى حماية الصالح العام أو الحياة الخاصة للمواطنين، وقد طرح التساؤل حول مفهوم الصالح العام حيث لا يوجد إجماع حوله، إذ يختلف مدلوله باختلاف الزمان والمكان. ومهما يكن، فان القيود الواردة على الصحافة تحت مبررات الصالح العام تدور حول الأمن الداخلي و الخارجي للدولة والأسرار العسكرية  والاقتصادية الحيوية للبلاد، والصالح العام.



    بخصوص حماية الحياة الخاصة للمواطنين، فان بعض القوانين  وبخاصة القانون الفرنسي والقوانين المستمدة منه قد وسعته ليشمل ممثلي السلطات العمومية والهيئات الدبلوماسية (المادة26 من قانون1881 و المادة36 من قانون1961 الفرنسيين) وأصبح الاعتقاد سائداً أن تطبيق هذا المبدأ الذي يتضمن حقا من حقوق الإنسان "الحق في السرية" يعتني في القوانين الصحفية بالسلطات العمومية  أكثر من اعتنائه بالأفراد العاديين، ويتضح هذا أكثر عندما يتعلق الأمر بحق الصحافة في التعليق عن نشاطات وأعمال الحكومات، حيث يسند غالبا قمع هذه الانتقادات إلى القوانين الجنائية بدلا من مدونات الصحافة التي تصدر عادة في المجتمعات الليبرالية، عن المنظمات المهنية.



   ولتقليص تأثير السلطات العمومية على حرية الصحافة باسم الصالح العام أو حماية الحياة الخاصة أو بعض الفئات، قامت بعض البلدان كما سبقت الإشارة إلى سن قوانين خاصة بحرية الإعلام كحق من حقوق المواطن، للحد من المعوقات الشرعية والتعسفية،  وبالنتيجة فإن حق الشعب في الاطلاع على نشاطات حكومته وحق الوصول إلى مصادر الإعلام الرسمي كمظهر من مظاهر ديمقراطية  نظام الحكم، يكتسي طابعاً مؤكداً وله ضمانات في تلك البلدان أكثر من غيرها.



تقنين حرية الإعلام

      يتوخى هذا القسم من مقاربة التوجهات الحديثة في التشريعات الإعلامية، استعراض وترتيب الآليات المستعملة في وضع الأطر القانونية  والتنظيمية لممارسة حرية الإعلام كعنصر جوهري في الأنظمة الديمقراطية التي تقوم على أساس مفهوم سيادة الشعب الذي يحدد إرادته العامة رأي عام مستنير. إذ أن حق الرأي العام في أن يعلم هو الذي يمثل جوهر حرية وسائل الإعلام، ومنه جاءت المقولة الأدبية الشهيرة "السلطة الرابعة" وليس الصحفي المحترف أو الكاتب أو المنتج سوى قيم على هذه الحرية، والحرمان منها ينقص من سائر الحريات المرتبطة بها.



ولما كان الإشكال الجوهري في الثقافة الليبرالية، هو أن سن القوانين الملزمة يتنافى مع مبادئ حرية الإعلام، كشكل من أشكال رقابة السلطات العمومية، فان التشريعات الحديثة تتجه إلى تجاوز هذا الإشكال  بتغيير طبيعة القواعد الملزمة بجعلها تدعم هذه الحرية، من خلال رفع القيود القانونية  والإدارية والمادية وغيرها، حيث أن مفهوم قانون الإعلام أو قانون الاتصال بصفة أشمل، يشتمل على مجموعة من القواعد الدستورية والقانونية الخاصة التي تحمي حرية الإعلام من تعسف السلطات  والتجاوزات وجميع أشكال المعوقات التي يمكن أن تحول دون  التداول الحر للمعلومات عبر القنوات المختلفة بما فيها وسائل الإعلام الجماهيرية التقليدية ووسائط الاتصال الجديدة [16].



   هذا النوع من القواعد يخاطب أساساً السلطات التقليدية، ولا يهم الصحافة أو وسائل الإعلام، كما هو شائع في العديد من المجتمعات الانتقالية،  ذلك أن قانون الإعلام يعنى بحق شامل من حقوق الإنسان بما فيها الحقوق المرتبطة بالصحافة  ووسائل الإعلام الجماهيرية  الأخرى دون أن يقتصر عليها.



    إن هذا الطرح يستدعي التمييز بين مجموعات واسعة من القواعد القانونية  والتنظيمية والضوابط  والمعايير المهنية التي تندرج إما ضمن قوانين الإعلام التي تتجه لوضع إطار شرعي لممارسة الحق في الإعلام كحق إنساني، وإما ضمن قوانين الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى التي تهدف هي الأخرى إلى تدعيم الحق في الإعلام، أو ضمن المدونات الأخلاقية ومواثيق الشرف المهنية التي تصب في نفس الأهداف ولو بكيفية غير ملزمة في أغلب الأحيان. غير انه ينبغي الإشارة إلى الصعوبات المرتبة  عن التمييز بين هذه الأنواع من القواعد التي تنظم مجالا حيويا تتداخل فيه جل نشاطات الإنسان  والمؤسسات الاجتماعية  والسياسية الحديثة، ومما يزيد في تعقيد عملية التمييز هذه التطورات التكنولوجية الحديثة التي تعمل على تغيير العلاقة التقليدية للفرد بالسلطة وخاصة علاقة السلطة بالفرد.

     ومع ذلك نحاول فيما يلي التطرق إلى التمايز الذي يتجلى من خلال الأسس القانونية ومجالات تطبيق هذه القواعد والأهداف المتوخاة من وراء وضعها وإضفاء الصفة الإلزامية عليها.

    بدأت حركة التشريع المتعلقة بحرية الإعلام، كحق من حقوق الإنسان تتوسع على المستويات الدولية والوطنية منذ سبعينات هذا القرن في بعض المجتمعات الديمقراطية، على أن سندها المبدئي يرجع إلى نهاية الأربعينات، عندما صادقت الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في 10 ديسمبر 1948. هذا الإعلان الذي لا يعتبر من وجهة نظر القانون الدولي ملزما في حد ذاته، وضع الأسس العامة لتشريع إعلامي خاص بحرية الإعلام التي تنص عليها المادة 19 منه، والتي جاء فيها أن "لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الأفكار وتلقيها ونشرها بدون تدخل وبأي وسيلة كانت دون التقيد بالحدود الجغرافية".



    انطلاقا من هذه المبادئ العامة ظهر خلال النصف الثاني من القرن الماضي ما يزيد عن 44 وثيقة مابين معاهدة (12) وإعلانات (14) ولوائح (8)، تهتم بصفة صريحة أو ضمنية بحرية الإعلام، وبخاصة الجانب المتعلق بالتدفق الحر للمعلومات[17].



   غير أن السند القانوني الصريح للتشريع الإعلامي، تتضمنه الاتفاقية الدولية بشأن الحقوق السياسية  والمدنية  والاقتصادية  والاجتماعية  والثقافية التي صادقت عليها الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة سنة 1966، والتي تتبناها حاليا معظم الدول، منها الجزائر التي صادقت على البروتوكول الاختياري الملحق بها في25 أفريل 1989، أي مباشرة بعد اعتماد دستور23 فيفري 1989 الذي اعتنق المبادئ الليبرالية السياسية  والاقتصادية.



    وعلى الرغم من التأخر الحاصل في مصادقة العديد من الدول على هذه المعاهدة  وإغفال الكثير من مبادئها في الممارسة العملية  أو تشويهها  أو تكييفها تكييفا خاصا، فقد أصبحت هذه المعاهدة  وغيرها من الوثائق القانونية ذات الطابع الدولي أو القاري أو الجهوي، جزءاً من القوانين الوطنية الملزمة للدول الأطراف فيها، والتي (الدول) يتعين عليها احترام مبادئها والعمل على تطبيقها  وفقا لأحكام القانون الدولي، إذ لا يجوز من وجهة نظر القانون الدولي أن تتضرع الدول بأحكام قوانينها الداخلية لتتنصل من التزاماتها تجاه المعاهدة التي انضمت إليها بمحض إرادتها، وعليها، في حالة وجود تناقض، أن تعمل على تكييف أحكام قوانينها مع أحكام المعاهدة.



  هذه الاتفاقية التي أعطت صبغة قانونية ملزمة للدول الأطراف فيها بالنسبة لجميع المبادئ التي تضمنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بشيء من التفاصيل. لا تشكل فقط السند القانوني للتشريع الإعلامي الدولي، ولكنها أيضا السند القانوني للتشريعات الوطنية المتعلقة بحقوق الإنسان عامة، والحق في الإعلام الذي يهمنا بصفة خاصة في هذا المقام. فهي (الاتفاقية) تندرج ضمن مصادر القانون الدولي من جهة، وتصبح بعد المصادقة عليها جزءاً من القانون الداخلي للدولة المتبنية لها، وأصبحت بالتالي غير مجدية الاعتراضات الفلسفية والسياسية على مبادئها التي تشكل تطوراً تاريخياً في مجال التشريع الإعلامي على الصعيدين الدولي والوطني[18].



    ومع أن بعض الأصوات ارتفعت في السنوات الأخيرة تدعو إلى إعادة صياغة بعض المفاهيم الواردة في هذه الوثائق خاصة مفهوم الحق في الإعلام، لتعويضه بمفهوم أكثر شمولية هو الحق في الاتصال، فان السواد الأعظم من الدول لم تصل بعد إلى تقنين حرية الإعلام، إذ أدرجته بصفة مشوهة في قوانين الصحافة ووسائل الإعلام، كما هو الشأن في القانون الجزائري ليتقلص هذا المفهوم في مجرد المعلومات  والأفكار والآراء التي تقدمها وسائل الإعلام الجماهيرية[19].



     التكييف العفوي أو المقصود لأحكام المعاهدة بخصوص حرية الإعلام مع الذهنيات والمواقف السائدة في العديد من الدول، يستند جزئيا إلى الاستثناءات الواردة في المعاهدة ذاتها، حيث تنص على حق الدولة (السلطات العمومية) في التدخل لتنظيم ممارسة هذه الحقوق عن طريق نصوص قانونية تكون ضرورية  من أجل حماية الأمن الوطني أو النظام العام أو الصحة العامة أو الأخلاق واحترام حقوق وسمعة الآخرين، كما جاء في الفقرة الثالثة من المادة 19 من المعاهدة  وبالإضافة إلى حق التدخل المشروط الذي منحته هذه الفقرة للدولة، جاءت المادة 3 من الاتفاقية لتجيز الدولة أن "تخضع هذه الحقوق للقيود المقررة في القانون فقط إلى المدى الذي يتماشى مع طبيعة هذه الحقوق فقط، ولغايات تعزيز الرخاء العام في المجتمع فقط".



ومع ذلك أقرت المادة 5 من نفس الاتفاقية بان : "ليس في الاتفاقية ما يمكن تفسيره بأنه يجيز لأي دولة...القيام بأي عمل يستهدف القضاء على أي من الحقوق والحريات المقررة في هذه الاتفاقية أو تقييدها لدرجة اكبر مما هو منصوص عليها فيها"[17].



   إلى جانب هذه التفسيرات التي تبدو في الغالب مقصودة لاعتبارات غير قانونية، تتجاهل معظم الدول الالتزامات التي تفرضها هذه المعاهدة عليها من أجل توفير الإمكانيات المادية والتقنية  والتعليمية لتمكين المواطن من ممارسة حقه في الإعلام الموضوعي والكامل بشأن جميع شؤون حياته كإنسان وخاصة كمواطن يهمه ما تتخذه السلطات باسمه ومن أجله.



  هناك قلة قليلة فقط من الدول، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، تتوفر على قوانين خاصة بحرية الإعلام تتوجه إلى السلطات العمومية بصفة خاصة تلزمها بتوفير الإعلام ومنعها من اللجوء إلى فرض القيود على التدفق الحر للمعلومات إلا في حدود ما تنص عليه المبادئ العامة التي تتضمنها عاد ة جميع دساتير عالم اليوم التي تتبنى مبادئ الديمقراطية الليبرالية. عموما تطمح الاتجاهات الحديثة في تقنين حرية الإعلام إلى توفير ضمانات غالبا ما تكون مبهمة في الدساتير والمواثيق التي تنظم العلاقة بين السلطة  والمواطن.



   وتذهب بلدان ديمقراطية ليبرالية مثل بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا، إلى وضع قوانين خاصة بسرية الحياة الشخصية وخصوصية الحياة الفردية والجماعية ويتعلق الأمر بإلزام السلطات بحماية الحق في السرية  والخصوصية خاصة ضد القذف والتشهير عن طريق وسائل الإعلام الجماهيرية  وإفشاء المعلومات التي تتمكن من الوصول إليها الشرطة  والأمن. وهناك محاولات أيضا لوضع قوانين تمنح الحق للمواطن في الاطلاع على المعلومات المخزنة عنه وخاصة الحق في تصحيح الخاطئة منها.



   على أن انتشار بنوك المعلومات على نطاق "جماهيري" واسع عبر الشبكة الدولية وتداول هذه المعلومات عبر المواقع الإليكترونية  والإيميلات والشبكات الاجتماعية وانتشار الاختراقات الاليكترونية  والجرائم الرقمية...، بدأ يطرح إشكاليات جديدة في مجالات الحقوق في الإعلام وفي السرية والخصوصية  وفي الاطلاع على المعلومات  وتصحيحها.



قوانين الصحافة  

يقصد بقوانين الصحافة أو قوانين وسائل الإعلام الجماهيرية، مجموعة القواعد التي تحدد الأحكام العامة للنشر والطبع والبث الإذاعي والتلفزيوني وكل الوسائل الجماهيرية التي تنتج وتوزع المعلومات  والآراء عبر القنوات التقليدية  والإلكترونية، المعروفة و/أو المحتملة. وهذه القواعد التي قد تكون في شكل قانون واحد، كقوانين النشر أو المطبوعات أو الصحافة ، أو تتوزع على تقنيات متنوعة مثل قوانين المؤسسات الإعلامية أو القوانين المتعلقة بالتنظيم المهني (مهنة الصحافة والإعلام) كما يمكن أن يدخل في هذا الفرع من التشريعات الإعلامية مجموعة القواعد التي تؤثر بصفة مباشرة أو غير مباشرة في النشاط الإعلامي ومؤسساته وأشخاصه، مثل القوانين الجنائية والمدنية والإدارية  والتجارية وقوانين العمل  والملكية الأدبية أو الفكرية أو الصناعية (حق التأليف والحقوق المجاورة) والإشهار و اللوائح والمذكرات التفسيرية المكملة للتشريع الإعلامي.



   وإذا كان تقنين حرية الإعلام كحق من حقوق الإنسان، لا يزال عموما في مرحلة تمهيدية في شكل مبادئ عامة موزعة ضمن المواثيق الدولية والدساتير، باستثناء الدول التي وضعت قوانين خاصة بحرية الإعلام، فان التقنيات المتعلقة بوسائل الإعلام الجماهيرية،  قد ظهرت وتطورت جنبا إلى جنب مع الصحافة ثم مع وسائل الإعلام الالكترونية، حتى أن القواعد التي تنظم الحياة السياسية والمدنية والتجارية  والصناعية  والإدارية والثقافية  والاجتماعية في المجتمعات التقليدية والحديثة، تتسم بمرونة تجعلها تتسع للتطورات السريعة التي تشهدها تكنولوجيات الإعلام والاتصال. وقد أخذت طبيعة هذه القواعد شكل ولون البيئة الفلسفية والفكرية والسياسية، التي تميز متخلف مراحل تاريخ الصحافة في علاقاتها مع السلطة (روحية أو زمنية، ديمقراطية أو سلطوية أو تسلطية، حسب المراحل التاريخية  والسياسية للمجتمعات)[17].



   غير أن طرح المبادئ الليبرالية، كاختيار وحيد منذ نهاية هذا القرن الماضي في سياق "العولمة " الجارية، بدأ، ظاهرياً، يوحد الخطابات السياسية في تعاملها مع الديمقراطية  وحقوق الإنسان الفردية  والجماعية، إذ توحي "عولمة " المبادئ الليبرالية  والحتمية التكنولوجية بقرب تغيرات عميقة في طبيعة القواعد المتعلقة بالصحافة ووسائل الإعلام الجماهيرية الأخرى، حيث أن حقوق النشر والطبع  والبث والتوزيع ستتدعم بالضرورة كحقوق فردية وجماعية بفعل الأثر البالغ لتكنولوجيات الاتصال الحديثة التي تعمل على"جمهرة" أنواع جديدة لا متناهية من وسائل الاتصال  (بنوك المعلومات والمواقع الإلكترونية الشبكات الاجتماعية، الصحافة الإلكترونية، صحافة المواطنة، والمفكرات الإلكترونية الشخصية، أو ما يسمى بالمدونات...)، وتزيد من صعوبات تدخل السلطات[18] للحد من حرية تدفق المعلومات وحرية الوصول إليها مهما كانت طبيعتها حتى المعلومات المحمية منها، عن طريق فرض قيود مادية أو إدارية أو قانونية أو على الأقل بجعل  هذه القيود عديمة الفعالية سياسياً وتقنياً. وبالنتيجة بات من الضروري في ظل المعطيات الجديدة التركيز على الفرد لتقوية عوامل الحصانة الذاتية لديه ولدى مجتمعه  وأمته.



     ومهما يكن الأمر، فان الوضع القائم حاليا في مجال التقنينات المتعلقة بوسائل الإعلام الجماهيرية، يتميز بتراكمات إرث ثلاثة قرون من الصراع بين الصحافة والسلطة، رغم أن كل القوانين تعلن صراحة و ضمنياً تبنيها لمبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وهي تستند بالضرورة إلى المبادئ العامة المعلن عنها في الدساتير.



   إنه لمن الصعب معرفة الموقف الحقيقي، في العديد من الدول من الحقوق المرتبطة بنشاطات وسائل الإعلام الجماهيرية، ومن خلال الرجوع إلى بعض القواعد التي تعلن صراح ضمان هذه الحقوق في "حدود القانون" تماشياً مع الاستثناء الذي أوردته الفقرة3 من المادة19 للاتفاقية الدولية بشأن الحقوق المدنية والسياسية  والاقتصادية والاجتماعية المذكورة. ذلك أن العديد من التشريعات الإعلامية في الدول السائرة في طريق "الدمقرطة " جعلت هذا الاستثناء قاعدة عامة لتقييد ممارسة هذه الحقوق.



    هذه الممارسات تسود في المجتمعات الهامشية التي تعيش تناقضات جلية بين مضامين خطابات مثالية وحقائق واقعية مزرية، ففي جميع الدول العربية تقريبا، قوانين للمطبوعات من صحف ونشريات وكتب وأفلام وتسجيلات صوتية وسمعية  وبصرية..تخضع بكيفية مباشر و/أو غير مباشرة، ممارسة حق النشر (للمعلومات أو الرأي) لنظام الرقابة المسبقة أو ما يطلق عليه نظام المنع الوقائي، والحال أن الدول الديمقراطية تكتفي فقط بالإخطار بإصدار نشرية وهو حق لكل شخص طبيعي كامتداد لحق الملكية، وهو جوهر حرية الصحافة وفقا للمبادئ الليبرالية.



ومن بين التناقضات الصارخة أيضا، أن الأنظمة القانونية للمؤسسات الإعلامية في جل الدول العربية على سبيل المثال تجعل الإذاعة و التلفزة ووكالة الأنباء حكراً على الدولة، وبالتدقيق على الحكومات القائمة وحدها، في حين أن أفراد المجتمع هم الذين يتحملون أعباء تمويلها عن طريق الميزانيات العامة (من الضرائب) أو عن طريق رسوم خاصة ، سواء كانت هذه المؤسسات تتمتع باستقلالية مالية و إدارية أو كانت مجرد دوائر تابعة للدولة، مع أن المعاهدة الدولية تنص على النشر عبر أية وسيلة.

2.3- التقنينات المهنية

المقصود بالتقنيات المهنية، أو مدونات الأخلاقيات المهنية[18] في هذا المجال، مجموعة القواعد والضوابط التي تنظم مهنة الصحافة والإعلام الجماهيري، وتحدد الحقوق المادية والمعنوية وواجبات المشتغلين بجمع و معالجة ونشر رسائل الإعلام عبر قنوات الاتصال الجماهيري.

وقد ظهر وتطور هذا النوع من القواعد، خاصة المتعلقة منها بالتنظيمات المهنية في سياق الحركة النقابية لعمال المؤسسات الإعلامية أسوة بعمال المؤسسات الصناعية الأخرى. ويظهر جليا  تأثير أفكار نظرية المسؤولية الاجتماعية لوسائل الإعلام الجماهيرية التي انتشرت في النصف الثاني من القرن الماضي، في وضع وتعميم القواعد المتعلقة بأخلاقيات المهنة و تأسيس مجالس الصحافة والإعلام و المحاكم الشرفية لحماية حقوق المتلقين للرسائل الإعلامية من تجاوزات الصحافة و الصحافيين لحدود مهنتهم الاجتماعية أو التقصير في أداء الوظيفة الإعلامية لوسائل الاتصال الجماهيرية.

العرف الغالب في التقاليد الليبرالية أن الصحافيين و رجال الإعلام، كفئة مهنية اجتماعية، يخضعون في ممارسة مهنتهم للقوانين العامة التي يخضع لها جميع المواطنين. إلا أن الدول المستوردة أو الوارثة لأنظمة الإعلام الجماهيري، شرعت للصحافيين قوانين خاصة بهم، سواء تعلق الأمر بالتنظيم النقابي أو بالحقوق و الواجبات.

وقد يرجع هذا الوضع إلى تأثير الأفكار المتعلقة بالأثر المطلق لوسائل الإعلام على الجمهور وباستمرار آثار النظرية الماركسية اللينينية للصحافة والإعلام على الممارسات السياسية والإعلامية في العديد من البلدان التي تعتنق نظرياً المبادئ الليبرالية. ومن هذا يمكن في ظل الوضع السائد في مجموعة الدول الانتقالية، إدراج هذا النوع من القواعد ضمن التشريعات الإعلامية، حتى ولو كانت بعض هذه القواعد لا تتمتع بقوة التنفيذ الجبري، مثل ما هو الشأن بالنسبة لمواثيق الشرف المهنية عموما.

غير أن العديد من التشريعات الإعلامية تنص على تنفيذها عن طريق القضاء و القوة العمومية على غرار تنفيذ النصوص التشريعية و اللوائح التنفيذية.



خلاصة

      

    بدأت حركة التشريع المتعلقة بحرية الإعلام، كحق من حقوق الإنسان تتوسع على المستويات الدولية والوطنية منذ سبعينات هذا القرن في بعض المجتمعات الديمقراطية، على أن سندها المبدئي يرجع إلى نهاية الأربعينات، عندما صادقت الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في 10 ديسمبر 1948. هذا الإعلان الذي لا يعتبر من وجهة نظر القانون الدولي ملزما في حد ذاته، وضع الأسس العامة لتشريع إعلامي خاص بحرية الإعلام التي تنص عليها المادة 19 منه، والتي جاء فيها أن "لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الأفكار وتلقيها ونشرها بدون تدخل وبأي وسيلة كانت دون التقيد بالحدود الجغرافية".



وتتجه الديمقراطيات الحديثة، من خلال التشريعات المتعلقة بالإعلام، إلى تجسيد مبدأ سيادة المواطن الكاملة، وتلح على أن مؤسسات دولة القانون هي وسائل فقط، تستمد وجودها وشرعيتها واستمرارها من رضا المواطن عن أداء المرافق العمومية وأعوان الدولة الذين هم موارد بشرية مسخرة لتجسيد سياسة دولة المواطنة.



   وإذا كان تقنين حرية الإعلام كحق من حقوق الإنسان، لا يزال عموما في مرحلة تمهيدية في شكل مبادئ عامة موزعة ضمن المواثيق الدولية والدساتير، باستثناء الدول التي وضعت قوانين خاصة بحرية الإعلام، فان التقنيات المتعلقة بوسائل الإعلام الجماهيرية،  قد ظهرت وتطورت جنبا إلى جنب مع الصحافة ثم مع وسائل الإعلام الالكترونية، حتى أن القواعد التي تنظم الحياة السياسية والمدنية والتجارية  والصناعية  والإدارية والثقافية  والاجتماعية في المجتمعات التقليدية والحديثة، تتسم بمرونة تجعلها تتسع للتطورات السريعة التي تشهدها تكنولوجيات الإعلام والاتصال. وقد أخذت طبيعة هذه القواعد شكل ولون البيئة الفلسفية والفكرية والسياسية، التي تميز متخلف مراحل تاريخ الصحافة في علاقاتها مع السلطة (روحية أو زمنية، ديمقراطية أو سلطوية أو تسلطية، حسب المراحل التاريخية  والسياسية للمجتمعات).



المراجـــــــع :

  1. مجلة الاتصال والتنمية، العدد2-2011، دار النهضة العربية بيروت، لبنان
  2. جلسة حوارية مع الإعلاميين نظمتها وزارة  الشؤون السياسية والبرلمانية نشرت في صحيفة الغد الأردنية 23/06/2013
  3. مقدمة في التشريعات والسياسة الإعلامية في الأردن تحرير يحيى شقير والناشر برنامج تدعيم الإعلام في الأردن الذي تنفذه منظمة ايريكس 11/5/2011
  4.  علي قسايسية،  تكنولوجيات الإعلام  ودراسات الجمهور في المجتمعات الانتقالية، مجلة الاتصال والتنمية، العدد الأول، تشرين الأول، دار النهضة العربية، بيروت 2010
  5. علي قسايسية، التشريع الإعلامي وطبيعة الأخلاقيات المهنية، إشكالية جمهور الواب، المجلة الجزائرية للاتصال، عدد 18/2004
  6. علي قسايسية، ملابسات الحق في الإعلام في القانون الجزائري، المجلة الجزائرية للاتصال عدد 13، 1996
  7. ليلى عبد المجيد، تشريعات الصحافة في مصر، مجلة الدراسات الإعلامية، العدد 75، القاهرة، 1994
  8.  راسم محمد جمال، الحق في الاتصال، دائرة الشؤون الثقافية، بغداد 1982
  9. محمد المصمودي، النظام الدولي الجديد للإعلام والاتصال، الكويت، 1985
  10. Patterson، Philip; Lee C Wilkins (2004). Media Ethics: Issues and Cases, 5th edition. McGraw-Hill. ISBN 0-07-302192-X.
  11. Minnesota News Council Web site -- promoting fair, vigorous and trusted journalism
  12. EthicsforMedia - Education in Journalism Ethics

[13]- From  British Royal Press Report  in J. Curran, Ibid, p.285

[14]- « Freedom of  Speech Act », 1688, “Data Protection Act”, 1998,

[15]- Rothenberg. I.  The Newspaper. St. Albans. Herts. 1947. In Robertson.  Media Law . Sage Publications. 1984

[16]- Nordenstrong. K, The Mass media Declaration of Enesco, Alex Publishers, Newood, New Jersey, 1984, p. 216.

[17] - McQuail. D, Mass Communications Theory, Sage Publications, 5th print, USA, 1985, pp. 84, 85

[18]- James Curran, Power Without Responsibility, Methuen, London 1985.

No comments:

Post a Comment