Sunday, May 22, 2016

العلاقات العامة وتكوين الصورة الذهنية


العلاقات العامة وتكوين الصورة الذهنية................. نجم العيساوي
        حسب قاموس ويبستر([1]) فالصّورة الذهنية Image هي التقديم العقلي لأي شئ لا يمكن تقديمه للحواس بشكل مباشر، أو هي محاكاة لتجربة حسية ارتبطت بعواطف معينة نحو شخصية معينة أو نظام ما أو فلسفة ما أو أى شئ آخر، وهى أيضا استرجاع لما اختزنته الذاكرة أو تخيل لما أدركته حواس الرؤية أو الشم أو السمع أو اللمس أو التذوق.(Webster's, 1977)
        ويعرف عجوة (2014) الصّورة الذهنية بأنها:  الناتج النهائي للإنطباعات الذهنية التي تتكون عن الأفراد أو الجماعات إزاء شخص معين أو نظام ما، أو شعب ما، أو جنس معين، أو منشأة معينة، أو منظمة محلية أو دولية، أو مهنية معينة، أو أي شيء آخر عليه أن يكون له تأثير على حياة الإنسان، وتتكون هذه الإنطباعات من خلال التجارب المباشرة وغير المباشرة، وترتبط هذه التجارب بعواطف الأفراد واتجاهاتهم وعقائدهم، وبغض النظر عن صحة أو عدم صحة المعلومات التي تتضمنها خلاصة هذه التجارب فهي تمثل بالنسبة لأصحابها واقعاً صادقاً، ينظرون من خلاله إلى ما حولهم، ويفهمونه أو يقدرونها على أساسها.
        وبحسب حجاب (2004)، فالصّورة الذهنية مفهوم عقلي شائع بين أفراد جماعة معينة يشير إلى اتجاه هذه الجماعة الأساسي نحو شخص معين أو نظام ما أو طبقة بعينها أو جنس بعينه أو فلسفة سياسية أو قومية معينة أو أي شيء آخر. (حجاب، 2004، ص335)
        وفي تعريف آخر للصورة الذهنية([2]) بأنها: مجموعة السمات والملامح التي يُدْرِكُها الجمهور، ويبني على أساسها مواقفه واتجاهاته نحو المنظمة، أو الشركة، أو الدولة، أو الجماعة، أو الحزب. وتتكون تلك الصّورة عن طريق الخبرة الشخصية للجمهور القائمة على الإتصال المباشر، أو عن طريق العمليات الإتصالية والإعلامية الجماهيرية، وتتشكل سمات وملامح الصّورة الذهنية من خلال إدراك الجمهور لشخصية المنظمة ووظائفها وأهدافها وشرعية وجودها وأعمالها والقيم الأساسية التي تتبناها. ينظر: (صالح، 2009، ص22-23).
أما الصّورة النمطية: Stereotype "فهو مفهوم اصطلاحي أو رأي يعده الفرد أو الجماعة مصدراً أو مطابقاً لنموذج عام يفتقر إلى الشخصية وأصله من الطباعة" (Webster's, 1990, p.464.)، فهي "الشيء المتفق مع نمط ثابت أو عام أو الصّورة الذهنية التي يشترك في حملها أفراد جماعة وتمثل رأيا مبسطاً أو موقفاً عاطفياً أو حكماً غير متفحص". (Webster's, 1977. P,11-41.).
        وقد أدركت المنظمات أهمية دراسة صورتها السائدة في أذهان الجماهير في وقت معين، واتخاذ السياسات، ورسم الخطط الكفيلة بتكوين هذه الصورة على النحو الذي تتمناه هذه المنظمات أو تلك القيادات، كما برزت أهمية الصورة على المستوى الدولي في تهيئة المناخ النفسي الملائم لتحقيق أهداف الدولة ونجاح سياستها الخارجية، والترويج لأوجه النشاط المختلفة فيها. (عجوة، 2014).
        وهناك عوامل عديدة يمكن أن تسهم في بناء الصّورة الراهنة لدى الإنسان أبرزها؛ الأسرة والمؤسسات التربوية والتعليمية والإنتاج المعرفي والثقافي، ويضاف لها وسائل الإعلام المختلفة، التي تؤدي دوراً أكثر فعالية وخطورة، لاسيما بعد التطور الهائل في تكنولوجيا الإتصال والمعلومات، وما حصل من نمو كبير في صناعة الرسائل الإعلامية، والتي أصبحت أهم وسيله لنقل الصّور والآراء والأفكار وتدعيم الصّور الموجودة أصلا في أذهان الناس، وقد تبين من خلال الدراسات والبحوث أن 70% من الصّور التي يبنيها الفرد عن عالمه تستمد من وسائل الإعلام التي يتعامل معها، ويمكن لهذه النسب أن تزداد أو تضعف حسب طبيعة المجتمع ومستوى تقدمه أو تخلفه، ومن ذلك مثلا لوحظ أن 95% من الأمريكيين يحصلون على معلوماتهم عن طريق وسائل الإعلام بحكم انتشارها وملاحقتها للفرد أينما ذهب، عدا أن لوسائل الإعلام قدرة كبيرة على تفسير الأحداث والحقائق التي تجري في العالم لحظة بلحظة وتقديمها في صور معينة وهذا ما يوفر الجهد والوقت للمتلقي، الأمر الذي يدفعه إلى الإعتماد على هذه الوسائل، لاسيما وأن أغلب الناس منشغلون بأمور الحياة وتعقيداتها وتلبية حاجاتهم الإنسانية، وهذا ما زاد من تأثير وسائل الإعلام في سلوك الأفراد وإمكانية تشكيلها بشكل يتوافق مع أهداف وأغراض الأطراف التي تقف وراء تلك الوسائل، وصياغة آلية عملها، وصناعة وسائلها. (الدليمي، 2005، ص70) و(عجوة، 2005، ص 139).
العلاقات العامة وتكوين الصّورة الذهنية:
        يُعدُّ تكوين الصّورة الإيجابية للمؤسسة من أهم مهام العلاقات العامة, وأن ظروف التعاون والعلاقات المتبادلة هي التي تحكم طبيعة عمل المؤسسات الحديثة ولو كانت مصالح المؤسسات مختلفة فيما بينها, سواء أكانت المصالح اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية أو خدمية أو غيرها، وأن تنظيم العلاقات بالمؤسسات الأخرى وبالجمهور على وجه الخصوص، يعد من عوامل استمرار المؤسسات ونجاحها. (العيساوي، 2015، ص72)

        وهذا لا يعني أن الصّور التي تتكون في أذهان الأفراد تظل ثابتة في معالمها بلا أي تغيير في مختلف الظروف والاحوال، فالصّورة عملية ديناميكية وليست عملية استاتيكية، ولذلك فهي لاتتصف بالثبات والجمود، وإنّما تتسم بالمرونة والتفاعل المستمر، فتتطور، وتنمو، وتتسع، وتتعدد، وتتعمق، وتقبل التغير طوال الحياة.  (الخوزاني، 2004، ص38)
        إن تخطيط البرامج لبناء الصّورة الذهنية يخضع لنفس الأسس العلمية التي يخضع لها التخطيط لجميع برامج العلاقات العامة، وهذا النوع من البرامج يتسم بصفتين أساسيتين، أولهما؛ أنه أكثر هذه البرامج صعوبة وتعقيداً، وثانيهما، أنه يخدم جميع البرامج التي تنفذها العلاقات العامة ويزيد من فعاليتهما ويضاعف في تأثيرها. )كيلاني، 2009، ص72)
        ويتركز غالباً عمل العلاقات العامة أثناء الحملات الإنتخابية والمؤتمرات، لكن هذا يُعد من مهام العلاقات الإعتيادية، وإن كان ليس سهلاً، لكن الأعقد هو حماية الصّورة الذهنية للمؤسسة، لأن عوامل التأثير في الصّورة كثيرة ومعقدة، وعليه حينما نتحدث عن ممارس العلاقات العامة فإننا نتحدث عن قلب نابض وعين مبصرة للمؤسسة، وأن أهم أهداف ونشاطات العلاقات العامة هي؛ خلق الصّورة العامة والإنطباعات الجيدة، ونشر الوعي والترويــج بين الجماهير، وتحقيق الإتصال الفعال، والمعرفة والفهم في الإقناع وتعزيز الثقة.(العيساوي، 2015، ص73).
تصميم برامج العلاقات العامة:  ينظر: (محمد، 1994، ص119 ) و(عساف وصالح، 2004، ص 157).
        ولكي يكون عمل العلاقات العامة كاملاً وشاملاً وناجحاً في الوقت ذاته، ينبغي أن يكون هناك نوعان من البرامج، ويمكن أن نسمي البرنامج الأول بـ "الوقائي" والبرنامج الثاني بـ " العلاجي" وكما يلي:

(1) البرنامج الوقائي:
        وهو البرنامج الذي يوضع اعتماداً على استشراف المستقبل واستناداً إلى المعطيات التأريخية والتجارب السابقة والظروف الراهنة والأهداف المرجوة، لتجنب مايسيء إلى صورة المنظمة أو منتجاتها وخدماتها، وأن الجزء الأكبر من هذا البرنامج يتم تأسيسه على أساس تعزيز ثقة الجمهور الداخلي والخارجي بالمنظمة ومنتجاتها، ويتضمن هذا البرنامج مستويين من التخطيط، هما:

* التخطيط للمدى الطويل: ويتحدد في ضوء السياسة العامة للمؤسسة، ويجب توعية الجماهير بأهداف التخطيط وتدريب القائمين بالتنفيذ، ويستلزم ذلك معرفة درجة الإقبال.
* التخطيط للمدى القصير: ويقصد به الإجراءات التي تسبق تنفيذ البرامج طويلة المدى بقصد الوصول إلى الأهداف ويفيد المؤسسة في تحقيق عدد من الأهداف مثل؛ توطيد العلاقات الطيبة بين المؤسسة وجماهيرها، وتوعية الجمهور الداخلي للمؤسسة بأوجه نشاطها ومراحل تطورها، كما أن التخطيط يمنع وقوع الصعاب التي تعترض المؤسسة وتضعف مقبوليتها.

(2) البرامج العلاجية:
        ويمكن تسميتها برامج الأزمات، وهي تركز في الدفاع عن المنظمة وخدماتها ومنتجاتها، وتصمم لدى حصول إشارة إلى حدوث المشاكل، أو حين تذاع قصة سلبية تطال سمعة منتج معين، وفيه يتم وضع البرامج والخطط والأنشطة التي تعالج الصّورة السلبية التي تولدت لسبب من الأسباب في أذهان الجمهور، ووضع برنامج كفيل بتحسين الصّورة  وتعزيزها لدى الجمهور، وهذا النوع من البرامج متخصص لإدارة الأزمات.

(3) البرامج الإخبارية:
        وهي جميع البرامج التي تركز في ٳخبار جماهير المؤسسة بأخبار جديدة أو مشاريع تقوم بها، ويتم ذلك عن طريق الإتصال بجماهيرها: كإخباره مثلا بتغيير اسم المؤسسة أو شعارها أو رموزها، وغيرها من الأمور التي تود المؤسسة أن تخبر الجماهير بها. (ابو مدين، 2011، ص36).
        إن وسائل الإعلام تمارس تأثيراً بالغ الفعالية، يتمثل في خلق انطباعات عن القضايا وبالأخص القضايا الجديدة، والمعني بالقضايا الجديدة هي تلك القضايا التي لايمتلك الفرد حولها مرجعيات ولا رأيا محددا، والتي لايمتلك ازاءها أصدقاؤه وزملاؤه أو الأسرة مرجعيات أيضا. ينظر: (شيلر، 1986، ص 215).

        كما أن لوسائل الإعلام القدرة على تزييف الواقع (أو نقله كما هو) إن أرادت، وذلك من خلال الإنتقاء العمدي لبعض المشاهد والمفاهيم والكلمات والصّور وتكرارها، واستبعاد أخرى، على النحو الذي تظن معه أن كل ما تعرضه وسائل الإعلام هو مجرد انعكاس حقيقي للواقع، وإذا كان لوسائل الإعلام([3]) القدرة على أن تخلق ذلك الواقع الإفتراضي "المشوه"، فإنها الوحيدة القادرة على إبقائه ماثلاً في أذهان الجماهير عبر توظيفها آليات: التكرار والملاحقة، الحشد والتعبئة، صناعة الخوف من خلال الترهيب والترغيب...إلخ. (الشامي، 2013).
إدارة الصّورة الذهنية في العلاقات العامة
                أشارت "نظرية إدارة صورة المنظمة"([4]) إلى أن إدارة الصّورة هي عملية حوارية Dialogic Process، وأن إدارة صورة المنظمة، هي عملية تقوم على ثلاث مراحل هي: ينظر: (صالح، 2009، ص29).

المرحلة الأولى: خلق الصّورة Image Creation: وهي تبدأ عندما تكون المنظمة غير معروفة، فتعمل على خلق صورة إيجابية لنفسها لدى الجمهور، وتكون هذه المرحلة صعبة، لأن معظم الناس لديهم شك فيما يجهلونه، ولذلك فإن المنظمة تحتاج في هذه المرحلة إلى استراتيجية اتصالية لبناء صورتها، وإلى زيادة قدرات العاملين في إدارتها، خاصة إدارة العلاقات العامة على إنتاج الرسائل التي تبني صورة إيجابية للمنظمة.
المرحلة الثانية: المحافظة على الصّورة Image Maintaining:  إذا ما نجحت المنظمة في خلق صورة إيجابية لها، فإنَّ عليها أن تحافظ عليها، وهذه عملية تحتاج إلى عملية اتصال مستمرة مع الجمهور، وعلى المنظمة في هذه المرحلة أن تحصل على معلومات عن ردود أفعال الجمهور، وإذا أخفقت في الحصول على التغذية المرتدة feedback، فإن ذلك يشكل يجعل صورتها عرضةً للتراجع، لذا فعليها أن تقيم اتصالا حوارياً دائماً مع جمهورها، حتى تستطيع أن تحافظ على صورتها الإيجابية، وأن تواجه أيَّ تهديد لهذه الصورة.

المرحلة الثالثة: استعادة الصّورة Regaining Image: وهي تحدث عندما تعاني المنظمة أو المؤسسة من أزمة، ومع تزايد الأزمات، فإنَّ الكثيرَ من المنظمات تتحرك نحو هذه المرحلة، وعليها هذه المرحلة أن يقوم بصياغة استراتيجية اتصالية لاستعادة صورتها، فإذا نجحت، تعود إلى المحافظة على هذه الصورة، أما إذا أخفقت، فعليها أن تعيد تشكيل ذاتية([5]) جديدة لها، ويمكن ذلك عن طريق الإندماج مع منظمات أو مؤسسات أخرى، أو مشاريع معينة، أو حتى إعادة ترتيب الإدارات.

هناك مجموعة ستراتيجيات للعلاقات العامة تتطلبها الصورة الذهنية تتمثل بـ: (العيساوي، 2016).
1- دراسات متعمقة للتعرف على الواقع الحالي للمؤسسة وظروفها وعلاقاتها بالجماهير والجوانب الإيجابية والسلبية من خلال الإجابة عن أسئلة مهمة وهي: أين نحن الآن؟ إلى أين نريد؟ وهذه تقوم على التحليل الموقفي (سوات SWAT) وتقوم على بحوث التسويق والتي تعتبر نقطة البداية بالنسبة للاستراتيجية التسويقية  لغرض تحديد الأهداف الإجرائية وخطوات الانطلاق وآلياته ومستلزماته، وتقدير حجم العملاء المستهدفين (الجمهور).
2- العمل على تشكيل صورة المنتج أو الخدمة في أذهان الجمهور بحيث يدركون الفوائد منه .
3-  تحديد وسائل الاتصال المناسبة وتطبيقات الإعلام الجديد لإيصال رسالة المنظمة إلى جماهيرها وهذه الاستراتيجية تحتاج إلى قاعدة بيانات وافية عن أعداد ونوعية وطيبعة الجمهور، والإمكانات المتاحة لدى المؤسسة.
4- إعداد الخطة وتنفيذها وإعداد الموازنة المالية بعد تصنيف العملاء على فئات وكتابة التقارير النهائية الخاصة ببيانات الجماهير وطبيعتهم واحتياجاتهم، وتقييم العملية التفاعلية بين المؤسسة والجمهور.

([1]) Merrian Webster's Dictionary.
([2]) عرف بولندنك صورة المرشح في الإنتخابات بانها "مجموعة الإنطباعات الذاتية التي تتكون عنه في أذهان الناخبين. وهذه الإنطباعات يمكن أن تكون أفكارا عن القيم السياسية للمرشح أو عن شخصيته أو مقدرته القيادية. ويتكون الكثير من هذه الإنطباعت عن مناصب رئاسة الدولة – من خلال ما تبثه وسائل الإتصال الجماهيرية. (حجاب، 2007، ص170-171) و(Boulding, 1966, P.6).
([3]) يقال أحياناً عن نوع من الإعلام بالإعلام السياسي، وهو مجال بيني، أي يزاوج بين الإعلام والسياسة، فهو يستخدم الإعلام بصفته وسيلة Medium، ويستخدم السياسة بوصفها مضموناً Content، وقد يكون خاصاً لحزب سياسي، أو ليس كذلك، لكنه سياسي المضمون، بغض النظر الجهة التي تتبناه.
([4]) ظهر خلال السنوات الأخيرة مفهوم "إدارة الصّورة الذهنية"، وهو مفهوم يشير إلى مجموع الأعمال التي تقوم بها المنظمة، والتي تهدف إلى خلق صورة إيجابية مرغوبة لهذه المنظمة لدى الجماهير، والمحافظة على هذه الصورة، واستعادتها في حالة تعرض المنظمة لأزمة قد تؤدي إلى تشويه صورتها، وقد بدأ هذا المفهوم يتحول إلى نظرية، أطلق عليها "نظرية إدارة الصّورة الذهنية". ينظر: (صالح، 2009، ص29).
([5]) تشير "ذاتية المنظمة" إلى شخصية المنظمة والخصائص المميزة لها، وأبعد من ذلك، فهي تعني، ماهذه المنظمة؟ وماذا تفعل؟ وكيف تفعل؟ وماهي الاستراتيجيات التي تتبناها؟.

العلاقات العامة والإعلام الجديد


العلاقات العامة والإعلام الجديد.................. نجم العيساوي

انطلاقاً من الهدف الأساس للعلاقات العامة في أية مؤسسة وهو بناء صورة ذهنية طيبة عن المؤسسة من خلال الخدمات والمنتجات التي تقدمها لجمهور معين، تسعى العلاقات العامة اليوم أن تستثمر التقنيات الاتصالية الحديثة، ومنها الإعلام الجديد وتطبيقاته، لاسيما بعد أن أصبح جزءا لايتجزا من الحياة الشخصية للإنسان، وهذه قد أضافت ميزة إيجابية أخرى في وظيفة الإتصال في العلاقات العامة، فبعد أن كان الاتصال يتطلب إيجاد الوسيلة الإتصالية أولا، فاليوم لاتتعدى الحاجة بذلك سوى وضع الإعلانات في منصات الإعلام الجديد لتصل جمهورا واسعا وعريضا ماكان ليصل إليه الاعلان في الوسائل التقليدية لفترات طويلة. فالإعلام الجديد اختصر الزمان والمكان والجهد، وزاد في السعة والتغطيات، واختصر الأعباء المالية في تكاليف الإعلانات وجودتها.

ولكون الإعلام الجديد يتميز بإمكانات متعددة وكبيرة، فإن العلاقات العامة في المؤسسات الحكومية والخاصة يمكن أن توظف هذه الميزات في تحقيق أهدافها العليا وخدمة العملاء في الوقت ذاته، ولايمكن أن يحدث تقاطع بين أهداف المؤسسة وخدمة عملائها، لأن الأساس الذي قامت عليه العلاقات العامة هو أن هدف خدمة العملاء (الجمهور) هو أس أهداف المؤسسة الرئيسة، ولايمكن أن تقوم استراتيجية مؤسسة ما دون أن يكون على رأس أهدافها خدمة الجمهور أو العملاء، سواء كان ذلك الجمهور داخليا أم خارجيا، وهذا يعود إلى طبيعة عمل المؤسسة ذاتها، فالمؤسسة الخدمية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية هي غير المؤسسات الأمنية، والأمنية غير العسكرية وهكذا.

  

وبحسب المؤتمرات التي تعقدها الجمعية الدولية للعلاقات العامة (IPRA) (International Public Relations Association) فقد توصلت إلى ضرورة اعتماد وسائل التواصل الإجتماعي والإعلام الجديد في وظائف العلاقات العامة لكونها أضحت من الوسائل الاتصالية عابرة القارات والقادرة على كشف المستور وكشف الغطاء عن كثير من الممارسات السياسية والعسكرية والاقتصادية والإعلامية تجاه الآخر. بالإضافة إلى كونها وسيلة دعاية وترويج تستخدم في حملات الترشيح للمناصب العليا في دول العالم، وتعدت إلى كونها أضحت وسيلة لجمع التبرعات الخاصة بدعم المشاريع الإغاثية والاجتماعية وحتى السياسية.

ففي الحملات الانتخابية مثلاً والتي ينشط فيها كثيرا ممارسو العلاقات العامة، يظهر جليا دور الإعلام الجديد في الترويج والدعايات وحتى الإشاعات، كما تظهر الإمكانات العالية لتطبيقات الإعلام الجديد في الدعايات وتحقيق وظائف الحملات التي تقوم بها أجهزة العلاقات العامة.

فماذا يترتب على ممارس العلاقات العامة وماذا ينبغي له أن يصنع وهو على أعتاب التقدم الهائل بوسائل الإعلام لاسيما الجديد ومنها شبكات التواصل الاجتماعي؟



بالطبع فإن مستلزمات العلاقات العامة مع الإعلام الجديد لاتختلف من ناحية الأصل، لكنها تحتاج إلى مرونة وإبداع أكثر، لإن الوقت والمنافسة شديدة. فممارس العلاقات العامة ينبغي له أن يتمرن على أدوات قياس اتجاهات الرأي العام وكيفية تحديد المشكلات وجمع المعلومات وخطوات تخطيط نشاط العلاقات العامة وقياس ردة الفعل والتأثير والتعرف على قنوات الاتصال المختلفة وطرق اختيار البديل الأفضل للوصول للفئة المستهدفة، والأنماط الاتصالية المختلفة ومهارات التعامل مع كل نمط يضاف إلى ذلك التعرف إلى تقنيات استخدام تطبيقات الإعلام الجديد بمرونة كبيرة، فضلاً عن أهمية إدراك المكونات التي تشكل الإتصال الإقناعي في الرسائل الإعلامية الموجهة عبر تطبيقات الإعلام الجديد والكيفية التي تعمل بها هذه المكونات وتتفاعل في إطار خصائص الإعلام الجديد.

 ومن مزايا هذا العالم هو قدرة تقنيات الاتصال الفوري عبر شبكة الأنترنت ومن خلال تقنيات التجارة الإلكترونية على توفير احتياج الزبون بسرعة ودقة متناهية.

Monday, March 7, 2016

الشاعر والناقد الدكتور علي ربيع بعين شاعر


الشاعر والناقد الدكتور علي ربيع*.... في عين شاعر

بقلم: نجم العيساوي

7-3-2016



لَقَدْ قرأت لِشعراءَ متقدمين ومتأخرين، ومنهم من استوقفني نصه لجماله وبراعته، ومنهم لغرابته ودهشته، ومنهم من مررت عليه مروراً إذ لم يشدني أو أنه أعلى من فهمي المتواضع ومستوى شاعريتي البسيط، لكنني عندما أتحدثُ عن الشاعر الدكتور علي ربيع فأنا لا أتحدث عن أي شاعر!

الدكتور علي ربيع ما إن تقرأ له نصا شعريا - وتخيل النص دون اسم الشاعر- إلا وتقول؛ هذا لعمري لَمِن شعر الفحول، أو لأحد أصحاب المعلقات، لعله امرؤ القيس أو طرفة بن العبد او زهير بن ابي سلمى ، أو أنك تظن أنه لشوقي أو حافظ او الجواهري او الرصافي.

لست مبالغا في مديح هذا الرجل، ولا ابتغي - والله يشهد- إلا أن اقول متجردا ما ينبغي أن يقال في زمن يقال لكل (شاعر) شاعر.

الشاعر علي ربيع شاعر بكل ما تعنيه هذه المفردة من معنى، وربما لا أملك ما يملكه أقل شاعر أو أديب من نتاج، لكنني اخال نفسي أعرف وحسب!، فالدكتور علي ربيع عنده ما عنده من أدوات الشعر لغة وبيانا وبلاغة، وميزانا وعروضا وليونة، وصورا وتشبيهات تكاد تجزم معها أن هذا الشاعر الكبير قد لانت له القوافي مثل عجينة يرقُّها كيف يشاء، وانصاعت له المفردات كأنما يغترف من نهر جار أو كأنما هو معجم كتبه العرب الاقحاح، بطبعته الأخيرة، شاعر لايتكلف الصورة الشعرية، تنساب بين حروفه ونصوصه انسياب الماء الزلال العذب في ساقية ملك من الملوك، فجميع نصوصه - التي اطلعت عليها- حتى تلك التي يريد منها نصحا وحكمة فهو يؤتيكها بصور لاتملك أمامها إلا أن تقول؛ ما يصنع هذا الرجل! إنه وأيم الله لشاعر شاعر.

يقول الشاعر الدكتور علي ربيع في قصيدة له بعنوان (حداد وميلاد) يرثي فيه حال الوطن:



أين الرجالُ؟ وأين الفضلُ والأدبُ؟ .........أين الجيوشُ؟ وأين الشّارُ والرتَبُ؟
أين المدافع تلفاها مزمجرة؟ .............. خان المتوّجُ والصعلوك، والحَجَبُ
لهفًا لطفلٍ تُغادي لهوَه كُرَبٌ ........... سحقًا لعرشٍ تُباري دونه خُطَبُ
جُوَّاد فمٍّ فرَواْ بالزّور أزْملة ................ وفي (مضايا) فَرَى أطفالنا السّغَبُ
هل ذي مدامع دارت في محاجركم؟ ..............   بل ذي خناجر راشتها لنا النُّدبُ؟



هنا تجد أن الشاعر علي ربيع لايجد مناصا من أن يرسم صورة شعرية جميلة، تقرب البعيد وتصور الألم، فهو يسائل الطغاة:

هل ذي مدامع دارت في محاجركم؟

ثم يجيب هو عن حقيقة تلك المحاجر وأنها في الحقيقة هي خناجر تقطر دماً وليست محاجر للعين تقطر دمعا.. تصوير فني بليغ، لاياتيه إلا شاعر وشاعر مكين وجسور.

ثم يتساءل مرة أخرى:

هل تحملون قلوبًا في جوانحكم؟

ياتي الجواب من الشاعر نفسه:

بل ذي مقاصل ساقتنا لها النِّوَبُ؟

وهذا الأسلوب يكثر في نصوص الشاعر، ثم يذهب إلى ندب أدعياء العروبة، ويبين عن حقيقتهم التي لايجرؤ الوعاظ والخطباء أن يبينوها، فيقول:



كل السيوف نواصيها لها شُطُبٌ ........... سيف العروبة عارٌ نصلُه خشَبُ


وحتى وهو يرثي رثاء أستاذه فضيلة الأستاذ الدكتور محمد المختار المهدي ـــــ الأستاذ بجامعة الأزهر(رحمه الله)، يلتزم الشاعر النصية المتكاملة، يقول:

رثيتُك يوم بِنْتَ إلى المعالي ** وذقتُ الصّاب بعدك في وصالي

شَجانِي الدّهر بالحسْراتِ تَتْرى **على قلبي فتُمعنُ في نكالي...

تُنازلني مدى العمر المنايا** وسفحُ القلب ساحاتُ النّزال



فبمجرد أن تقرأ له البيت الثالث - ويبدو أن الشاعر اراده ليري القاريء مشهدا ما كان ليراه لولا هذه الصياغة، فكان تعبيره (وسفحُ القلب ساحاتُ النّزال) استعراضا لدواخل الشاعر وإلى اي مدى هو قد حزن على استاذه ومعلمه، بحيث كأنما هو نزال، وهو استعارة عن الجوى والالم.

فهذه المقدرة اللغوية والشعرية لدى الدكتور علي ربيع لاتقتصر على الشعر العمودي، فهو يكتب التفعيلة بالمُكنة ذاتها، ويستخدم الأدوات البلاغية بمهارة وجمال، واقول يستخدمها واني لاعتذر فهي قد اضحت جزءً من ملكة الشاعر الحاضرة التي لاتغيب، فيقول في مدح النبي صلى الله عليه وسلم:

نبأٌ سرَى .. بين الورى
فتأرّجت عُطُر السّرورْ
بانت سُعادُ...
فما أرى قمرًا بدا، عِقْدَ السماء كأحمدا
وعلاه نورْ
وُلد الهدى...
يا سيّدًا جَمع المحاسنَ والحبُورْ
عبْرَ الأوابدِ والدّهورْ
نَسَمُ العطُورْ
عينُ القريرْ... فجر الضميرْ ... زاد الأسيرْ... وعصا الكسيرْ
وهداية الكون الضريرْ
في وسْط أحلاك الدّجى
عذبُ الجهارةِ والنّجَى
خيرُ النّهايةِ والبِدَا
يا أحمدَا
يا نورَ بدرِ التّمّ أَشْرقَ من ثَنيّاتِ الوداعْ
قد مدّ للصفْحِ الجميلِ وللتّقَى ألفي ذراعْ
وبلا انقطاعْ
********

أمام هذا البحر الشعري لايمكن إلا تطيل الوقوف عند شواطئه، متنعما بجمال الغروب والشروق، إذ أنه غزير المعاني والمفردات والمباني، ولايجد كلفة في أن يصور لك المشاهد كلها، كانت مشاهد حب وشوق، أو مشاهد حرب وبلاء..



ويكمل الشاعر في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ولد الهدى....
أصواتُ وجْبْ
ويلوح أبْرهة الجديدُ وراءه فيلٌ ودُبّْ
وبنو اللّقيطة أنشؤوا حول المدينة غوْرَ جُبّْ
وأبو لهبْ
في الفرس من إيوانِه جَمَع الحطبْ
أين الرّماةُ على أُحُدْ
سكنُوا اللُّحُدْ
....
للبيت ربْ .. ما ذاك رَيْبْ
لكنْ شِياهي في دمشقَ وفي حلَبْ
باتت وليس لهنّ ربْ
وبأيِّ ذنبْ
وُئِدت براءة بدْرِهمْ بوِهادِ نَجْدْ
وحِدَاقُهمْ مشدودةٌ نحوَ السمَا جَفْنٌ وهُدْبْ
وسُنُونَ دأْبْ
رقدوا على أرضِ الوَصبْ
حُمِلوا على كتفِ النّصبْ
نادواْ فجاوبهم نعيبُ البومِ أو ذئبٌ وضبّْ
يقضي الأربْ.. من شقِّ أُخدودٍ وتشريدٍ وصَلْبْ
جاعُوا فلم يقريهمُ غيرُ السَّغبْ
شُقَّت حناجرهمْ فروّتها السُّرُبْ
طرقُوا فدعّتهُمْ عن الأبواب أسياطُ الحُجُبْ



وهل يكفي أن نقول عنه أنه شاعر وحسب، بل هو شاعر من الطراز الأول في السبك والمعنى، واستعارة الصور والتشبيهات، وهو من الشعراء المعاصرين الأُول الذين يجيدون مخاطبة الأذواق المتباينة، وهي مقدرة ليست بالهين امتلاكها.

هذا لا يكفي.. فالدكتور علي ربيع ناقد بصير، وله مقالات تحليلية نقدية برؤية شاعر كبير، ليس كبعض النقاد، لايتوقف إلا على العثرات، فهو يأتي النص من نفسية الشاعر، ومن عنوان النص، ويسوغ للشاعر - مهما كان- هذه الحدود الشعرية التي رسم بها نصه، ومن جميل أسلوبه أنه حين يذكر محاسن النصِّ، تعرف من خلال أسلوبه أنه تغاضى عن أمور يسهل على صاحب النص معرفتها، والدكتور علي ربيع إذ يتغاضى ليس لعدم إدراكه لها، وإنما ليقينه أن الشعر أدوات ومعان، فليس كل شاعر يجمع بين الامرين بالقدر ذاته لكل منهما، فتجد شاعراً مكينا من أدوات الشعر، لكنه في صوغ المعاني أقل، وقد تجد عكس ذلك، فالناقد الدكتور علي ربيع يرى أن الفطنة الى المعاني بالإضافة إلى كونها تأتي من المراس والقراءة والغوص في تراث الأولين والآخرين، يرى فيها نوعا من (الاهتداء) وهذا الاهتداء الى المعنى والصورة يتبع نفسية الشاعر عند كتابة النص، ولذا تجد للشاعر نصوصاً مختلفة، فنص عذب فرات، ونص كأنما ملح أجاج.

لكنه يؤكد على نقطة هامة، وهي حرص الأديب على تحديث فنه، فيقول: "يبقى الأديب الحريص على تحديث فنه كدولاب لا يكفّ عن الدوران، يمتح من بحار المبدعين المشهود لهم بالأصالة والتجديد؛ ليوظف ما يراه مناسبًا في تجاربه التي يتغيّا إبداعها ونشرها."

ويذكر الدكتور علي ربيع في مقالاته النقديه أن الهندسة الإيقاعية للنص تأتي من الخبرة والمراس والموهبة الصادقة، وهذه العناصر الثلاثة يؤمن بها الناقد بأنها مناص النص المتكامل، وقد تتقارب نسب توافرها، وقد تتباين، وكلما توافرت كان النص مليئا بالمدهش والصور الفنية الجميلة.

ويشير الدكتور علي ربيع أن الشاعر يبلغ قمة رفيعة فى تصوير اندفاعاته التى تكتسح كل العقبات من خلال استثماره لكل طاقات لغته التصويرية الخارقة ومقدرته الصرفية، حتى ليكاد القارئ يسمع عصف هذه الاندفاعة ويحس حرارتها.

أقول أنا لم أتحدث عن شخصية الدكتور علي ربيع إلا بنزر يسير، إذ يستحق أن تسطر فيه المقالات الطوال بل وتدرس نصوصه في مناهج الأدب والنصوص في مدارسنا، فهي والله أحرى من كثير لايملك ما يملكه علي ربيع، بالإضافة إلى كونه شخصية قيمية تنتمي للأمة انتماءً حقيقياً، فهي لايقول الشعر لمجرد أن يقوله، انما هو شعور مؤمن، وحروف يعيش هموم أمته، ويصورها بصدق.



هاكم هذه القصيدة الجميلة له والتي يتحدث فيها الشاعر والناقد علي ربيع



موسى العرب ، وموسى بني إسرائيل

****************

أَصاحَ البينُ.. واشتطّ المَزارُ؟ ...... وغَام الدّربُ.. وانْتُزِفَ القَرارُ

وجافاك الأباعدُ والأدانِي ...... فــلا عُـــــرْبٌ تَحِــنُّ ولا تَتَارُ

يصبّ الجارُ في أذنيه ...... وقرًا فيَصْلِمها التضرّعُ والجُؤَارُ

فيَهذِي بالفِرَى ويغضـْ ...... ــضُ طرفًا كخفّاشٍ يراهِقُــــه النّـــهارُ

تَواثَبَ بالإدانة بعد شَجْبٍ..... كوَثْبِ الخِبِّ ســــاورَه الفِرارُ

أعيروني ثيابًا.. لم يُجيبوا.... فدثّرني الصقيـــــعُ أو الغُبَارُ

ترى الجبناء عُريًا في ثيابٍ.... فلا رَتَقَ الخِصافُ ولا الزِّرارُ

فليس الثوبُ أسمالًا وطِمرًا.... بل الثوبُ المحامدُ والنُّجَارُ

طرَقتُ أُناشِد اللؤماءَ قوتًا .... فدعّتني المـــوائدُ والدِّيارُ

وصدتني المدائنُ عن مداها.... ووحشًا أفغرت فاها القفارُ

عجبت!.. الجَفنُ يُغرقني دموعًا.... وضِلْعُ الصّدرِ يحرقها الأُوارُ

كأنّ الكون يَخْشَى نارَ غيظي.... فيحذرُ أن يوجِّجَه الشَّرَارُ

فيُهميك الثلـــــوجَ أو الرّزايا.... وتُدميكَ الظعائنُ والصغارُ

فإمّا خُطّتا غَرقٍ وحرقٍ ....فبئس الغِبُّ.. أعذبُه مرارُ!!

وإمّا أن تتيه علي الصحاري... وإمّا أن يُكَفِّنَك الـــدّمــــارُ

فزعت لأهون الأمرين شرًّا.... على خَدّي تهاتنت الغِزارُ

مَخْرتُ بمركبي لُججَ الفيافي.... وبسم الله ترسو أو تُدارُ

وخُضْتُ بِمفَئدِي حُججَ القوافي..... تباكيني القصائدُ والقِصارُ

فنبض القلب كان لها شراعًا.... ودمع العـــــين تزجيها بحارُ

كموسى بعد مدين إذ سراها..... فـــــوافته النّبــــــوة واليَسارُ

وليس إلى النبوة كنت أسري.... وهل بعد النبيّ لها يُسَارُ؟!

فما بالي يئزّ البردُ حولي؟..... كصدر المهر أغراه النِّفار؟

ويشتدُّ النّحيب ولا مجيبٌ.... وتغشانِي المساغبُ والفِقارُ؟

دعا موسى الإلهُ بظلّ طُورٍ.... وذابَ على ذُرا صوتي الطِّوارُ

ويخلــــع نعلَـــه للقاء ربٍّ ...... ويخلع عزّتي خِبٌّ خُوَارُ

ويؤنسه على مرآه نورٌ .....ويَفلِقُ في مَرايايَ العِثَارُ

وموسى وَاثَب الرجّافَ ضَربًا ...... وجَوْزي فيه..رفقٌ واصطبارُ

فَشُقَّ الماءُ من حَوليه قَصرًا ..... كأنّ عُبابَ لُجته جِــــدارُ

فما بالي استحال البَحرُ رَمْسًا.... ومقبرتي الطّحالبُ والغَضَارُ

وكم بالبحر فرعونٍ وموسى ..... كما فيـــــــه اللالئُ والمَحَارُ!!

على أنّ البلاءَ دليلُ صدقٍ.... أُعـِـــــزَّ به النبيّــــون الكــبارُ

بناتُ الدهر تَخْطِبُنا جميعًا.... وما يُرجَى نكاحٌ أو صِهارُ

فتُرْغِمنَا السِّفاحَ بلا فِراقٍ ..... وعُرسُ العُمْرِ كان لها مِهارُ

فمن يُصبِحْ بسَعْد يبكِ ليلًا .... ومن يسعد بليل فالبِكَارُ

ترى السُّوَّاسَ كالفِرقين صُفَّا .... فكافورٌ يُرى أو شَهريارُ

فما من بينهم صُلّاحُ دين .... ولا قُطُزٌ يكون ولا عِمَارُ


وأخلاقُ العباد على اختلافٍ ..... زئيرٌ.. أو عواءٌ.. أو خُــــــوَارُ

فلا تُلقِ الرجاءَ على عبيدٍ .... سِيَانَ الخائنون ومن أجاروا

لنا ربٌ تسامى في جلال .... على رحماته تسري السّفارُ

--------------------
* الدكتور علي ربيع: أكاديمي وشاعر وناقد مصري... دكتوراه في الأدب والنقد من جامعة الأزهر