Thursday, July 9, 2026

الإعلام وأجندة الكيل بمكيالين

  الإعلام وأجندة الكيل بمكيالين

حين تتحول المعايير المزدوجة من انحياز عابر إلى هندسة للواقع

 

يُفترض في وسائل الإعلام، من الناحية المهنية والأخلاقية، أن تكون أداةً لتقريب الجمهور من الواقع، وأن تخضع الوقائع المتشابهة لمعايير متقاربة في التغطية والتفسير والتحقق والمساءلة. غير أن الممارسة الإعلامية تكشف، في كثير من الأحيان، عن فجوة واضحة بين هذا المثال المهني وبين ما يحدث فعلياً في غرف الأخبار والمنصات الرقمية وشبكات البث العالمية. فالحادثة ذاتها قد تُوصف بلغة مختلفة جذرياً تبعاً لهوية الفاعل، والضحية نفسها قد تحظى بدرجات متفاوتة من التعاطف تبعاً لجنسيتها أو موقعها الجغرافي أو قربها الثقافي والسياسي من الجمهور المستهدف، والانتهاك نفسه قد يُقدَّم مرةً بوصفه «جريمة لا تُغتفر»، ومرة أخرى باعتباره «حادثاً مؤسفاً» أو «نتيجة جانبية» أو «واقعة تحتاج إلى مزيد من التحقيق». هنا لا نكون أمام اختلاف طبيعي في زوايا المعالجة فحسب، بل أمام ما يمكن وصفه بسياسة الكيل بمكيالين أو المعايير المزدوجة في صناعة المعنى الإعلامي.

ومع ذلك، ينبغي منذ البداية تجنب فرضية مبسطة تقول إن كل اختلاف في التغطية يمثل بالضرورة مؤامرة أو تلاعباً متعمداً. فالإعلام لا يعمل في فراغ، كما أن تفاوت التغطية قد ينتج أحياناً عن اختلاف في توافر المعلومات، أو إمكانية وصول الصحفيين إلى الميدان، أو حجم الحدث، أو قربه من جمهور الوسيلة، أو درجة التحقق من الوقائع، أو طبيعة النظام الإعلامي نفسه. لكن الاعتراف بهذه العوامل لا يلغي وجود أنماط متكررة يصعب تفسيرها بالمصادفة وحدها، خصوصاً عندما تتغير اللغة الأخلاقية والقانونية بصورة منتظمة وفقاً لهوية الأطراف، وحين تصبح القاعدة المهنية مرنة مع طرف وصلبة مع طرف آخر.

 

 المعايير المزدوجة تبدأ من اللغة لا من الخبر

 

أخطر أشكال الانحياز الإعلامي ليس دائماً نشر معلومة كاذبة، لأن الكذب الصريح يمكن كشفه وتفنيده. الأكثر تعقيداً هو استخدام حقائق صحيحة داخل بناء لغوي وانتقائي يقود الجمهور إلى استنتاجات منحازة. فقد تُستخدم كلمة «هجوم» عندما يكون الفاعل خصماً، بينما تُستخدم كلمة «عملية» عندما يكون الفاعل حليفاً. وقد يوصف شخص بأنه «مسلح» في سياق، و«مقاتل» في سياق آخر، و«إرهابي» في سياق ثالث، رغم أن توصيف الفاعل ينبغي أن يستند إلى معايير واضحة لا إلى موقعه في خريطة التحالفات السياسية.

 

الأمر نفسه يظهر في استخدام المبني للمعلوم والمبني للمجهول. هناك فرق دلالي وأخلاقي بين القول: «قتل الجيش عشرة مدنيين»، والقول: «قُتل عشرة مدنيين خلال الاشتباكات». الجملة الثانية قد تكون صحيحة من حيث العدد، لكنها تزيل الفاعل من المشهد وتحوّل الموت إلى حدث يكاد يبدو بلا مسؤول. وفي المقابل، عندما يكون الفاعل خصماً سياسياً، قد يصبح العنوان أكثر مباشرة وحسماً: «القوات التابعة للطرف الفلاني تقتل مدنيين». وهكذا لا تكمن المعايير المزدوجة فقط في ما يُقال، بل أيضاً في من يُسمّى، ومن يُخفى، ومن يُمنح صفة الفاعل، ومن تُذاب مسؤوليته داخل لغة محايدة ظاهرياً.

هذه المسألة تكشف أن اللغة الإعلامية ليست وعاءً شفافاً للواقع. الكلمات تصنف الفاعلين، وتوزع الشرعية، وتحدد مسبقاً من يستحق الإدانة ومن يستحق التفهم. وحين تتكرر هذه الاختيارات اللغوية عبر آلاف الأخبار والعناوين والصور، فإنها تنتج بنية إدراكية كاملة لدى الجمهور، بحيث يبدو بعض العنف استثنائياً ووحشياً، بينما يبدو عنف آخر طبيعياً أو اضطرارياً أو غير قابل للتجنب.

 

 ليست كل الضحايا متساوية في اقتصاد الانتباه

 

تظهر المعايير المزدوجة بوضوح أكبر في التفاوت الهائل في قيمة الضحايا داخل السرد الإعلامي. فبعض الضحايا يحصلون على أسماء وصور وسير شخصية وقصص عائلية ومقابلات مع الأقارب وتغطيات ممتدة، بينما يتحول ضحايا آخرون إلى أرقام مجردة: «عشرات القتلى»، «مئات النازحين»، «خسائر بشرية». هذا الفرق ليس شكلياً؛ إنه يحدد قدرة الجمهور على التعاطف.

حين نعرف اسم الضحية، وعمرها، ومهنتها، وصورتها، وأحلامها، تصبح إنساناً كاملاً في وعينا. أما حين تُختزل الضحية في رقم، فإنها تدخل في إحصاء بارد. ولذلك فإن أحد أخطر أشكال المعايير المزدوجة يتمثل في التوزيع غير المتكافئ للإنسانية. بعض البشر يُقدَّمون بوصفهم أفراداً لهم وجوه وحكايات ومستقبل مسروق، وبعضهم يُقدَّمون بوصفهم كتلة سكانية مجهولة.

يمكن تفسير جزء من هذا التفاوت بعامل «القرب»؛ فوسائل الإعلام الوطنية تميل طبيعياً إلى إعطاء اهتمام أكبر لمواطنيها أو لجمهورها المباشر. لكن هذا التفسير يصبح غير كافٍ عندما نتحدث عن مؤسسات إعلامية دولية تقدم نفسها باعتبارها منصات عالمية، أو عندما يتحول التفاوت من مجرد اختلاف في حجم التغطية إلى اختلاف في القيمة الأخلاقية للضحايا. فالقرب الجغرافي قد يفسر زيادة الاهتمام، لكنه لا يبرر نزع الفردية والإنسانية عن ضحايا بعيدين.

 

 الانتقائية: ما لا يُنشر قد يكون أهم مما يُنشر

من أكثر الأخطاء شيوعاً في نقد الإعلام التركيز فقط على الأخبار المنشورة. فالانحياز الحقيقي قد يكمن في الأخبار التي لم تصل أصلاً إلى الجمهور. غرف الأخبار لا تستطيع تغطية كل شيء، ولذلك تمارس الاختيار يومياً: ما الحدث الذي يستحق العنوان الرئيسي؟ ما الذي يُرسل بشأنه مراسل؟ ما الذي يُناقش في البرامج الحوارية؟ ما الذي يبقى خبراً قصيراً؟ وما الذي يختفي تماماً؟

هذه العملية ضرورية مهنياً، لكنها ليست محايدة. عندما تتكرر الاختيارات بطريقة تجعل انتهاكات طرف ما حاضرة باستمرار، بينما تصبح انتهاكات طرف آخر هامشية أو استثنائية، فإن الجمهور لا يتلقى صورة كاذبة بالمعنى المباشر، لكنه يتلقى واقعاً ناقصاً جرى تصميمه بالانتقاء. وهنا تكمن قوة الأجندة الإعلامية: فالوسيلة لا تحتاج إلى أن تقول للجمهور ماذا يفكر، بل يكفي أحياناً أن تحدد له ما الذي ينبغي أن يفكر فيه، وما الذي لا يستحق التفكير أصلاً.

لذلك فإن المعيار المزدوج قد يعمل عبر الصمت بقدر ما يعمل عبر الخطاب. وقد يكون حذف سياق تاريخي، أو تجاهل واقعة سابقة، أو عدم متابعة تحقيق بعد أيام من نشره، أكثر تأثيراً من نشر معلومة غير صحيحة. فالمعلومة الكاذبة يمكن تصحيحها، أما الغياب فلا يترك دائماً أثراً يمكن للجمهور اكتشافه.

 

 من يملك حق تعريف الحدث؟

 

تتجسد المعايير المزدوجة أيضاً في اختيار المصادر. فوسيلة إعلام قد تتعامل مع تصريحات حكومة حليفة باعتبارها معلومات أولية موثوقة، بينما تضع تصريحات حكومة خصمة داخل أقواس الشك والتحفظ. قد تقول: «أكد المسؤولون»، في الحالة الأولى، و«زعم المسؤولون»، في الحالة الثانية. وقد يكون التشكيك مبرراً أحياناً، لكن المشكلة تبدأ عندما لا يُطبَّق معيار الشك نفسه على الجميع.

المهنية الصحفية لا تعني الثقة المتساوية العمياء بجميع الأطراف، لأن المصادر تختلف فعلاً في سجلها وموثوقيتها وإمكانية التحقق من ادعاءاتها. لكن المهنية تتطلب أن تكون قواعد التحقق متسقة وقابلة للتفسير. فإذا طُلب دليل مستقل من طرف، ينبغي توضيح لماذا لا يُطلب بالمستوى نفسه من طرف آخر. وإذا اعتُبرت البيانات الرسمية غير كافية في حالة، فلا ينبغي أن تصبح كافية تلقائياً في حالة مشابهة فقط لأن مصدرها أكثر قرباً سياسياً من المؤسسة الإعلامية.

إن الأكثر خطورة هو عدم التكافؤ في منح «سلطة الكلام». بعض الأطراف تُستضاف في الاستوديوهات لتشرح وتفسر وتدافع عن نفسها، بينما تظهر أطراف أخرى فقط بوصفها موضوعاً للحديث. هناك فرق جوهري بين أن تكون «متحدثاً» وأن تكون «موضوعاً يتحدث الآخرون عنه». الأول يمتلك القدرة على تعريف نفسه، والثاني يُعرَّف من الخارج.

 

 الحروب تكشف ازدواجية المعايير أكثر من غيرها

 

تتفاقم هذه الظاهرة في أوقات النزاعات المسلحةلأن الإعلام يصبح جزءاً من الصراع على الشرعية. كل طرف يسعى إلى تثبيت مفرداته: من بدأ؟ من يدافع؟ من يعتدي؟ من يقاوم؟ من يهدد الأمن؟ من يحمي المدنيين؟ ومن يتحمل مسؤولية التصعيد؟

في هذه السياقات، قد تُستخدم مفردات القانون الدولي بصورة انتقائية. تُستدعى مفاهيم السيادة ووحدة الأراضي وحق الدفاع عن النفس وحماية المدنيين في أزمة، ثم تتراجع أو يعاد تفسيرها في أزمة أخرى. والمشكلة هنا ليست في صحة هذه المبادئ؛ بل في تطبيقها غير المتسق. فإذا كانت سيادة الدول مبدأً أساسياً، فينبغي أن يكون معيار تقييم انتهاكها مستقراً نسبياً. وإذا كانت حماية المدنيين قيمة أخلاقية وقانونية، فلا ينبغي أن تتغير أهميتها تبعاً لهوية المدني أو هوية القوة التي عرّضته للخطر.

لكن التحليل الموضوعي يقتضي التنبيه إلى نقطة مهمة: ليس كل تشابه ظاهري بين نزاعين دليلاً على تماثلهما قانونياً أو سياسياً. قد تختلف الوقائع والسياقات والالتزامات القانونية وطبيعة الفاعلين. ولذلك فإن النقد الجاد للمعايير المزدوجة يجب ألا يقع هو نفسه في معيار مزدوج، عبر مساواة حالات مختلفة لمجرد خدمة موقف سياسي مسبق. المطلوب ليس تغطية متطابقة، بل اتساق في المبادئ وشفافية في تفسير الفروق.

 

 الاقتصاد السياسي للإعلام: الانحياز ليس دائماً قراراً تحريرياً مباشراً

 

من السهل تفسير كل انحياز بأنه أمر صادر من حكومة أو مالك مؤسسة، لكن الواقع أكثر تعقيداً. وسائل الإعلام تعمل داخل شبكات من الملكية والتمويل والإعلان والعلاقات السياسية والمصالح التجارية والوصول إلى المصادر. هذه البيئة لا تحتاج دائماً إلى رقابة مباشرة؛ فقد تنتج ما يشبه «الانضباط الذاتي» داخل المؤسسة.

الصحفي يعرف أحياناً، من خلال الثقافة التنظيمية، أي القصص تحظى بالدعم، وأي الزوايا تُعد «حساسة»، وأي المصادر أكثر قبولاً، وأي الأسئلة قد تهدد علاقات المؤسسة بمراكز النفوذ. ومع الزمن، تتحول الحدود غير المكتوبة إلى ممارسة روتينية. وهنا يصبح المعيار المزدوج بنيوياً لا فردياً؛ أي إنه لا يعتمد على صحفي سيئ النية، بل قد ينتجه نظام كامل من الحوافز والقيود.

كذلك تؤثر السوق. المؤسسات الإعلامية تحتاج إلى الجمهور، والجمهور نفسه ليس محايداً. كثير من الناس لا يبحثون عن معلومات تتحدى قناعاتهم، بل عن سرديات تؤكدها. وهنا تنشأ حلقة مغلقة: الوسيلة تقدم للجمهور ما ينسجم مع هويته، والجمهور يكافئ الوسيلة بالمشاهدة والاشتراك والمشاركة، فتزداد الحوافز لإنتاج تغطية أكثر استقطاباً وانتقائية. لذلك لا يمكن تحميل المؤسسات الإعلامية وحدها كامل المسؤولية؛ فهناك أيضاً طلب اجتماعي على الانحياز.

 

 المنصات الرقمية لم تُنهِ المعايير المزدوجة بل أعادت توزيعها

 

كان هناك تفاؤل مبكر بأن الإنترنت سيكسر احتكار المؤسسات الكبرى للحقيقة، لكن التجربة أظهرت أن تعدد الأصوات لا يؤدي تلقائياً إلى العدالة المعرفية. المنصات الرقمية أدخلت خوارزميات التوصية والترتيب والانتشار بوصفها فاعلاً جديداً في تشكيل المجال العام. لم يعد السؤال فقط: ماذا قرر المحرر أن ينشر؟ بل أيضاً: ماذا قررت الخوارزمية أن تجعل مرئياً؟

إن المحتوى الغاضب والصادم والمثير للهوية قد يحصل على انتشار أكبر، بينما تضيع التصحيحات والتفسيرات المعقدة. كما أن سياسات الإشراف على المحتوى قد تواجه اتهامات بعدم الاتساق بين لغات ومناطق وسياقات مختلفة. وقد يكون جزء من المشكلة تقنياً، مثل ضعف موارد المراجعة بلغة معينة، لكنه يظل ينتج أثراً سياسياً وأخلاقياً غير متكافئ.

إن الأخطر أن المنصات خلقت وهماً بأن الجمهور تحرر بالكامل من سلطة «حارس البوابة»، بينما انتقلت البوابة جزئياً من المحرر البشري إلى أنظمة ترتيب غير شفافة بالكامل. والنتيجة أن المعايير المزدوجة قد تصبح أقل وضوحاً: لا نعرف دائماً لماذا انتشر مقطع واختفى آخر، ولماذا عُلّق حساب بينما بقي حساب مشابه، ولماذا صُنّف محتوى باعتباره ضاراً بينما مرّ محتوى مماثل دون تدخل.

 

 الصور أيضاً تكيل بمكيالين

التحيز لا يسكن الكلمات وحدها. اختيار الصورة قد يعيد تعريف الحدث بالكامل. يمكن تقديم جماعة بشرية من خلال صور العائلات والأطفال والوجوه الفردية، بينما تُقدَّم جماعة أخرى من خلال صور الحشود الغاضبة أو الرجال المسلحين أو الدمار. ومع التكرار، تتشكل في الوعي الجمعي روابط ضمنية: جماعة مرتبطة بالبراءة، وأخرى بالخطر؛ جماعة تستحق الحماية، وأخرى تستدعي الاشتباه.

إن اختيار اللحظة داخل الفيديو ليس بريئاً دائماً. فعشر ثوانٍ قبل حدث معين أو بعده قد تغير تفسير المشهد. وقد تُعرض نتيجة المواجهة دون بدايتها، أو رد الفعل دون الفعل الذي سبقه. ولذلك فإن «السياق البصري» لا يقل أهمية عن السياق النصي.

ومع انتشار الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي والتزييف العميق، أصبحت المشكلة أكثر تعقيداً. فوسائل الإعلام قد تطبق درجات متفاوتة من الشك على المواد البصرية بحسب مصدرها أو توافقها مع سرديتها المسبقة. هنا يصبح التحقق نفسه مجالاً محتملاً للمعيار المزدوج: أي الصور تُفحص بدقة؟ وأيها تُنشر بسرعة؟ وأي الادعاءات تُخصص لها فرق التحقق؟

 

 لماذا يفشل خطاب «الحياد الكامل»؟

 

من الضروري أيضاً نقد الفكرة المقابلة: الاعتقاد بأن الحل هو «إعلام بلا موقف». هذا التصور غير واقعي تماماً. كل عمل صحفي يتضمن اختياراً: اختيار الموضوع، المصدر، العنوان، الصورة، الترتيب، المساحة، والسياق. لذلك فإن الحياد المطلق أقرب إلى مثال نظري منه إلى ممارسة ممكنة.

ليس المطلوب صحفياً بلا قيم، بل صحافة متسقة المعايير. يمكن لوسيلة إعلام أن تتبنى بوضوح الدفاع عن حقوق الإنسان، لكن عليها أن تطبق هذا المبدأ على الحليف والخصم. ويمكنها الدفاع عن السيادة الوطنية، لكن عليها تفسير موقفها عندما تتعامل مع انتهاكات متشابهة بصورة مختلفة. ويمكنها امتلاك خط تحريري، شريطة ألا تخفي الرأي داخل لغة خبرية توحي بالموضوعية المطلقة.

الشفافية هنا أكثر صدقاً من ادعاء الحياد الكامل. فالمشكلة ليست أن تكون للوسيلة زاوية، بل أن تقدم زاويتها بوصفها الواقع كله، وأن تطلب من الجمهور الثقة بمعايير لا تطبقها بصورة متسقة.

 

 كيف نعرف أن هناك معياراً مزدوجاً؟

 

الاتهام بالازدواجية يجب ألا يتحول إلى شعار يُستخدم ضد أي تغطية لا تعجبنا. ويمكن اختبار وجود المعيار المزدوج من خلال سؤال افتراضي بسيط لكنه بالغ القوة: لو تبدلت هويات الأطراف وبقي الفعل نفسه، هل ستستخدم الوسيلة اللغة ذاتها؟

إذا كان الجواب على الأرجح «لا»، فهناك سبب جدي للفحص. ويمكن توسيع الاختبار: هل يُطلب المستوى نفسه من الأدلة؟ هل تُذكر جنسية الفاعل بالطريقة نفسها؟ هل تُعرض صور الضحايا بالمقدار نفسه؟ هل تُستخدم المصطلحات القانونية ذاتها؟ هل يحصل الطرفان على فرصة متقاربة للرد؟ هل تُذكر الخلفية التاريخية عندما تخدم طرفاً وتُحذف عندما تخدم الآخر؟ هل يجري تصحيح الأخطاء بالوضوح نفسه الذي نُشرت به؟

هذه الأسئلة تنقل نقد الإعلام من الانطباع إلى التحليل المنهجي. فبدلاً من القول «هذه الوسيلة منحازة»، يمكن إجراء تحليل مضمون مقارن لعناوينها، ومصادرها، وأفعال الإسناد المستخدمة، وحجم التغطية، وموقع الأخبار، والصور، والمفردات، وأنماط التأطير. عندها يصبح الحديث عن المعايير المزدوجة قابلاً للاختبار لا مجرد اتهام سياسي.

 

 مسؤولية الجمهور

 

من غير الدقيق تحميل الإعلام كل المسؤولية وكأن الجمهور مجرد متلقٍ بريء. فالمستخدمون يشاركون الأخبار التي تؤكد مواقفهم، ويتجاهلون التصحيحات، ويكافئون المحتوى المتطرف بالتفاعل، ويهاجمون أحياناً الصحفي الذي يقدم معلومة غير منسجمة مع هويتهم السياسية. بهذا المعنى، يشارك الجمهور في إنتاج البيئة التي تسمح للمعايير المزدوجة بالازدهار.

بل إن بعض المستخدمين يرفضون ازدواجية المعايير لدى الخصوم ويمارسونها بوضوح مع حلفائهم. يطالبون بالتدقيق الصارم في رواية الطرف الآخر، لكنهم يشاركون رواية طرفهم فوراً. يرفضون تعميم جريمة فردية على جماعتهم، ثم يعممون جريمة فردية على جماعة الخصم. يدافعون عن حرية التعبير عندما تخدم خطابهم، ويطالبون بالحذف والمنع عندما تزعجهم. ولذلك فإن إصلاح المجال الإعلامي يتطلب أيضاً ثقافة نقد ذاتي لدى الجمهور.

 

 نحو معيار واحد لا نحو رواية واحدة

 

الحل ليس فرض رواية موحدة على وسائل الإعلام، فالتعدد ضروري للديمقراطية وللوصول إلى الحقيقة. كما أن الاختلاف في التفسير ليس عيباً في ذاته. المطلوب هو شيء أكثر دقة: معيار واحد في التعامل مع الوقائع المتشابهة، مع الاعتراف الصريح بالفروق الحقيقية بين السياقات.

هذا يتطلب من المؤسسات الإعلامية وضع أدلة تحريرية واضحة للمصطلحات الحساسة، وتفسير أسباب استخدام توصيفات مثل «إرهابي» و«مقاتل» و«ناشط» و«رهينة» و«معتقل» و«قتيل» و«شهيد» وغيرها؛ وتطبيق قواعد تحقق متقاربة على المصادر الرسمية وغير الرسمية؛ ونشر التصحيحات بوضوح؛ والإفصاح عن تضارب المصالح؛ وتنويع غرف الأخبار؛ وإجراء مراجعات دورية تقارن أنماط التغطية بين أزمات مختلفة.

كما ينبغي تطوير أدوات مستقلة لرصد الانحياز لا تكتفي بفحص صحة الادعاء، بل تدرس عدالة التغطية: من يظهر؟ من يختفي؟ من يُسمّى؟ من يُمنح صوتاً؟ من يُختزل في رقم؟ أي أحداث تتصدر؟ أيها تُهمش؟ وما اللغة المستخدمة عند تبدل هوية الفاعل؟

 

 الخاتمة

إن الكيل بمكيالين في الإعلام ليس مجرد خلل أخلاقي عابر، ولا يمكن اختزاله دائماً في صحفي منحاز أو مؤسسة تتلقى تعليمات مباشرة. إنه ظاهرة أكثر تعقيداً تتقاطع فيها السياسة والاقتصاد والملكية والثقافة والهوية الوطنية ومنطق السوق وخوارزميات المنصات وتفضيلات الجمهور. ولهذا السبب تحديداً يصعب إصلاحها.

 

الخطر الأكبر لا يتمثل في أن تكذب وسيلة إعلامية بوضوح، بل في أن تعيد ترتيب العالم أمامنا بطريقة تجعلنا نرى بعض الآلام ونعتاد على تجاهل أخرى؛ أن تمنح بعض الضحايا أسماء ووجوهاً وأحلاماً، بينما تحوّل آخرين إلى أرقام؛ أن تطالب خصماً بالدليل وتمنح الحليف افتراض الصدق؛ أن تسمي العنف جريمة عندما يصدر عن طرف، وضرورة عندما يصدر عن طرف آخر؛ وأن تفعل كل ذلك داخل لغة تبدو مهنية ومحايدة.

ومع ذلك، فإن نقد المعايير المزدوجة يفقد قيمته إذا تحول هو نفسه إلى أداة انتقائية. لا يجوز أن نطالب بالموضوعية فقط عندما نكون ضحايا الانحياز، ثم نبرر الانحياز حين يخدم قضيتنا. ولا يصح أن نفضح تلاعب وسيلة معادية ونتجاهل تلاعب وسيلة قريبة منا. الاختبار الحقيقي للنزاهة ليس موقفنا من أخطاء الخصوم، بل قدرتنا على تطبيق المعيار نفسه على من نتفق معهم.

لهذا فإن السؤال الأكثر أهمية الذي ينبغي أن يرافق كل خبر ليس فقط: «هل هذه المعلومة صحيحة؟»، بل أيضاً: هل كانت الوسيلة ستروي القصة بالطريقة نفسها لو تبدلت أسماء الفاعلين والضحايا؟ في الإجابة عن هذا السؤال تبدأ المساءلة الحقيقية للإعلام. فالمجتمعات لا تحتاج إلى رواية واحدة، ولا إلى صحافة تدّعي حياداً مستحيلاً، بل إلى فضاء إعلامي تتعدد فيه الرؤى من دون أن تتعدد قيمة الإنسان، وتختلف فيه التفسيرات من دون أن تتبدل المبادئ، وتتنافس فيه السرديات من دون أن يصبح الحق في الحقيقة امتيازاً يُمنح للبعض ويُحجب عن الآخرين.

 

No comments:

Post a Comment