Friday, December 26, 2025

توظيف الذكاء الاصطناعي في التعليم العالي

 توظيف الذكاء الاصطناعي في التعليم العالي: التحولات البيداغوجية، استراتيجيات التقييم، والآفاق المستقبلية

د. نجم العيساوي

2026 

مقدمة

شهد العالم الأكاديمي في السنوات الأخيرة تحولاً جذرياً بظهور ما يُعرف بالذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI)، وهي التقنية التي تمكنت من انتزاع اهتمام المجتمع العالمي بسرعة غير مسبوقة، مستحقةً لقب "أسرع تقنية تاريخاً" في الوصول إلى مئة مليون مستخدم. لم يكن هذا الظهور مجرد تطور تقني هامشياً، بل كان بمثابة "زلزال" هز الأركان التقليدية للعملية التعليمية، دافعاً المؤسسات الأكاديمية الرائدة لإعادة التفكير جذرياً في طرق التدريس، والتقييم، وأدوار المعلم والطالب.

لم يعد السؤال المطروح هو "هل نستخدم الذكاء الاصطناعي في التعليم؟" بل أصبح "كيف نستخدمه بفعالية ومسؤولية؟". يهدف هذا المقال إلى تقديم مرجع شامل ومتعمق حول توظيف الذكاء الاصطناعي في التعليم، مستنداً إلى أحدث الممارسات والدراسات الصادرة عن أعرق الجامعات العالمية، بما في ذلك جامعة هارفارد، وجامعة أكسفورد، وجامعة جونز هوبكنز، وجامعة ميشيغان. سنستعرض في هذه الورقة الأطر النظرية للدمج التربوي للذكاء الاصطناعي، التصنيفات الوظيفية للأدوات المتاحة، استراتيجيات إعادة تصميم التقييمات لتواكب العصر، والأبعاد الأخلاقية والمؤسسية لهذه الثورة التقنية.

 

المحور الأول: الأطر النظرية والمفاهيمية لتوظيف الذكاء الاصطناعي في التعليم

إن البداية الحقيقية لفهم توظيف الذكاء الاصطناعي في التعليم تكمن في تجاوز النظرة السطحية له كأداة "للكتابة الآلية" أو "الغش"، واعتباره تقنية "تحويلية" تتطلب تطويراً في الأفكار التربوية. تشير الأدبيات الصادرة عن جامعة هارفارد بوضوح إلى أن الاستجابة الأولية لبعض المؤسسات التعليمية كانت الممنوعات والحظر، خوفاً من الغش الأكاديمي والتعلم الكسول، غير أن الموقف الرصين للجامعات القيادية كان التبني والتجريب المستنير.

في هذا السياق، يتميز الذكاء الاصطناعي التوليدي، وتحديداً نماذج اللغات الكبيرة (LLMs)، بأنه نظام احتمالي (Probabilistic) وليس حتمياً (Deterministic). هذا يعني أن الإجابات التي يقدمها ليست نتيجة استرجاع ثابت لمعلومات مخزنة، بل هي نتيجة عملية خلق لاحتمالات لغوية تعتمد على سياق الأمر (Prompt) المقدم له. هذه الطبيعة الاحتمالية تفسر ظاهرة "الأوهام" (Hallucinations)، وهي قدرة النماذج على تقديم معلومات تبدو مقنعة لكنها غير صحيحة تماماً. بالنسبة للمربين، يمثل هذا التحدي فرصة ذهبية لتعليم الطلاب التفكير النقدي والتحقق من المصادر، بدلاً من اعتمادهم على أي سلطة نصية مهما كانت.

من الناحية البيداغوجية، تؤكد جامعة أكسفورد ضرورة اعتماد مبدأ "الإنسان في الحلقة" (Human-in-the-loop). الذكاء الاصطناعي، مهما تطور، يظل "مساعداً" (Assistant) يحتاج إلى إشراف بشري. هذا المبدأ لا يقتصر على تصحيح الأخطاء فحسب، بل يمتد ليشمل اتخاذ القرارات النهائية حول المحتوى، والسياق الأخلاقي، والملاءمة الثقافية للمخرجات. إن الهدف ليس خلق علاقة تنافسية بين المعلم والآلة، بل بناء شراكة تعزز قدرات كل طرف.

طرحت جامعة ميشيغان مفهوماً أكثر تطوراً في هذا الصدد، وهو ضرورة أن تقود الجامعات الحوار حول مستقبل الذكاء الاصطناعي، بدلاً من ترك الشركات التقنية تفرض التعريفات والممارسات. ترى القيادات الأكاديمية هناك أن الجامعات هي "المكان الأمثل" لاستكشاف إمكانيات هذه التقنيات وتوجيهها نحو الصالح العام، خاصة فيما يتعلق ببناء مهارات المستقبل التي يحتاجها سوق العمل المتطور بسرعة هائلة.

 

المحور الثاني: تصنيف أدوات الذكاء الاصطناعي ووظائفها التعليمية

لفهم كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي، يجب أولاً فهم تنوع الأدوات المتاحة. توفر جامعة أكسفورد تصنيفاً وظيفياً دقيقاً لهذه الأدوات، مما يساعد المعلمين على اختيار الأداة المناسبة للمهمة التعليمية المحددة.

 

1. أدوات النصوص والتوليد الكتابي (Text & Generative Tools)

تُعد نماذج المحادثة مثل ChatGPT، وClaude، وGoogle Gemini الأكثر شهرة في هذا المجال. وظيفتها التعليمية تتعدى مجرد الإجابة على الأسئلة؛ فهي أداة قوية للعصف الذهني (Brainstorming). يمكن للطالب الذي يعاني من "فراغ الصفحة" أن يستخدم هذه الأدوات لتوليد أفكار أولية، أو اقتراح مخططات هيكلية (Outlines) للمقالات، أو حتى صياغة أسئلة مناقشة. علاوة على ذلك، تُعد هذه الأدوات مساعداً لغوياً ممتازاً للطلاب غير الناطقين باللغة، حيث يمكنها المساعدة في تحسين القواعد النحوية وسلاسة الأسلوب دون المساس بالجوهر الفكري للطالب، مما يقلل من الفجوة اللغوية ويوجه التركيز نحو المحتوى.

 

2. أدوات الصور والوسائط المتعددة (Image & Multimedia Tools)

بفضل تطور نماذج مثل Midjourney، وDALL-E، وAdobe Firefly، أصبح بإمكان المعلمين والطلاب توليد محتوى بصري عالي الجودة. في التعليم، يمكن استخدام هذه الصور لتجسيد المفاهيم المجردة؛ فمثلاً، يمكن لطالب في الأحياء أن يطلب صورة توضحية لعملية نقل الغذاء عبر الغشاء الخلوي بأسلوب فني معين، أو لطالب في الفلسفة أن يبتكر صورة تعبر عن "حالة الاغتراب الوجودي". هذا النوع من الإبداع البصري يفتح أبواباً جديدة للطلاب الذين يمتلكون مهارات لغوية أقل قوة ولكنهم مبدعون بصرياً. كما تُستخدم هذه الأدوات في إنشاء مواد تعليمية جذابة للعروض التقديمية.

 

3. أدوات العروض التقديمية (Presentation Tools)

تتطور الأدوات مثل Beautiful.ai وSlidesAI لتقوم بتحويل النصوص المكتوبة إلى عروض تقديمية منظمة بتصاميم جمالية احترافية في دقائق معدودة. بالنسبة للمعلم، هذا يعني توفير وقت هائل في إعداد المحاضرات يمكن استغلاله في التفاعل المباشر مع الطلاب. بالنسبة للطالب، فهي تساعد في تخطي حاجز "تصميم الشرائح" الذي قد يشغله عن جوهر المحتوى، مما يسمح له بالتركيز على هيكلة الحجة العلمية بدلاً من ألوان الخطوط وترتيب الصور.

 

4. أدوات الفيديو والصوت (Video & Audio Tools)

تشمل هذه الفئة أدوات مثل Descript لتحرير الفيديو عبر النص، وأدوات التحويل من صوت لنص مثل Otter.ai، وSynthesia لإنشاء الافاتارات الافتراضية. الفائدة التعليمية هنا هائلة؛ إذ يمكن تسجيل المحاضرات وتحويلها فوراً لنصوص قابلة للبحث، مما يسهل المراجعة على الطلاب. كما يمكن استخدام الافاتارات الافتراضية لتوفير شرح للمقررات بلغات متعددة دون الحاجة لمترجمين بشريين في كل مرة، مما يعزز إمكانية الوصول (Accessibility) والشمولية.

 

5. أدوات التحليل والبيانات (Data Analysis Tools)

تتيح أدوات مثل Julius.ai وChatCSV للمتعلمين التفاعل مع البيانات بلغة طبيعية. بدلاً من تعلم لغات برمجة معقدة لتحليل جدول بيانات، يمكن للطالب أن يسأل: "ما هو الاتجاه العام في هذه البيانات؟" أو "ارسم مخططاً يوضح العلاقة بين هذين المتغيرين". هذا يقلل من الحواجز التقنية ويسمح للطلاب في التخصصات الإنسانية أو الاجتماعية باستخدام البيانات في أبحاثهم دون الحاجة إلى خبرة عميقة في الإحصاء الحاسوبي.

 

المحور الثالث: توظيف الذكاء الاصطناعي في تصميم المناهج والتدريس اليومي

بعد التعرف على الأدوات، يأتي السؤال الجوهري: كيف يتم دمجها في الصف الدراسي؟ توفر جامعة هارفارد نموذجاً شاملاً لدمج الذكاء الاصطناعي في مرحلتي "إعداد المنهج" و"التنفيذ اليومي".

 

1. إعداد المناهج والمقررات

عندما يجلس عضو هيئة التدريس لإعداد مقرر جديد، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون "مستشاراً أولياً". يمكن للنموذج اقتراح أهداف تعليمية، أو التوصية ببنية هيكلية للمقرر، أو حتى اقتراح حالات دراسية (Case Studies) واقعية تتعلق بالموضوع. يقترح أساتذة هارفارد استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل القراءات المعقدة واقتراح أسئلة نقدية حولها.

ومن أبرز الاستخدامات في هذا السياق هو مفهوم "هندسة الأوامر" (Prompt Engineering). إذا زودنا النموذج بمنهج المقرر، والمحاضرات السابقة، وأمراً مفصلاً (Prompt) بمثابة "تعليمات النظام" (System Prompt)، يمكننا تحويل النموذج إلى "مساعد تدريس افتراضي" (Teaching Assistant Chatbot) مخصص لهذا المقرر بشكل حصري. يمكن لهذا البوت أن يجيب على أسئلة الطلاب الروتينية في أي وقت، مما يوفر وقت المعلم للتعامل مع الاستفسارات الأكثر عمقاً واستراتيجية.

 

2. داخل الفصل الدراسي: التنفيذ التفاعلي

داخل الغرفة الصفية (الحضورية أو الافتراضية)، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يلعب أدواراً درامية ومتنوعة لتعزيز التعلم النشط:

·      قائد النشاط (Activity Leader): يمكن للمعلم استخدام الذكاء الاصطناعي لتوليد سيناريوهات حية (Simulations) لمناقشات. على سبيل المثال، في مقرر عن الأخلاقيات، يمكن أن يلعب النموذج دور مريض يواجه قراراً طبياً صعباً، ويتفاعل معه الطلاب بالأسئلة.

·      المدرس الخصوصي الشخصي (Personal Tutor): يمكن لكل طالب أن يحظى بمدرب شخصي يتكيف مع سرعته في التعلم. إذا لم يستوعب الطالب شرحاً معيناً في المحاضرة، يمكنه أن يطلب من البوت شرح نفس المفهوم بطريقة أخرى أو بأمثلة بسيطة.

·      المُحلِل في الوقت الفعلي (Real-time Analyzer): يمكن للمعلم استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتلخيص إجابات الطلاب أثناء النقاشات الجماعية الفورية، مما يسمح له برؤية الاتجاهات العامة للفهم وسد الثغرات فوراً.

تقدم تجربة جامعة ميشيغان في كلية الطب وطب الأسنان مثالاً متقدماً لهذا الاستخدام، حيث تم تطوير بوتات محادثة تدرب الطلاب على أخذ التاريخ المرضي للمريض واكتساب مهارات الاتصال السريري في بيئة آمنة قبل مواجهة المرضى الحقيقيين.

 

المحور الرابع: استراتيجيات إعادة تصميم التقييم في عصر الذكاء الاصطناعي

تمثل مسألة التقييم (Assessment) القلب النابض للجدل حول الذكاء الاصطناعي في التعليم. تتفق جامعة جونز هوبكنز مع جامعة هارفارد في أن محاولة بناء تقييمات "مقاومة تماماً للذكاء الاصطناعي" (AI-proof) هي معركة خاسرة. المقالة التقليدية التي يطلب فيها الطالب "تلخيص كتاب" أو "شرح نظرية" أصبحت في متناول أي نموذج لغوي حالياً. لذلك، الحل يكمن في تغيير "اللعبة" برمتها، وليس تغيير القواعد فقط.

1. التركيز على العملية بدلاً من المنتج (Process over Product)

الاستراتيجية الأكثر فعالية التي اقترحتها جامعة جونز هوبكنز هي تغيير التركيز من المنتج النهائي (مثل البحث أو المقال) إلى العملية التي أدت إليه. بدلاً من طلب تقرير نهائي، يُطلب من الطلاب:

·      تقديم مسودات متعددة (Drafts) توضح التطور في الأفكار.

·      كتابة تقارير تأملية (Reflection Papers) يشرحون فيها سبب اختيارهم لمصادر معينة، وكيف غيروا آراءهم أثناء البحث، وكيف استخدموا (أو لم يستخدموا) الذكاء الاصطناعي في هذه المراحل.

·      يجعل هذا النهج من الصعب جداً على الذكاء الاصطناعي توليد "تاريخ فكري" شخصي ومتسق للطالب، مما يضمن أن العمل المقدم يعكس تعلم الطالب الحقيقي.

 

2. التقييمات الشفوية والمرئية

بما أن الذكاء الاصطناعي (حتى اللحظة) لا يمكنه التفاعل وجهاً لوجه أو تقمص شخصية الطالب أمام الكاميرا، فإن التقييمات الشفوية تكتسب أهمية قصوى. يمكن أن يشمل ذلك:

·      العروض التقديمية التقليدية.

·      المناقشات الدفاعية عن المشروع (Defense).

·      تسجيل مقاطع فيديو قصيرة يشرح فيها الطالب مفهوماً معيناً.

·      هذه الطريقة تقيس مهارات الاتصال والفهم العميق الذي يصعب تزويره نصياً.

 

3. ربط التقييم بسياق الفصل (Contextualization)

يعرف الذكاء الاصطناعي الكثير من المعلومات العامة، لكنه لا يعرف "ماذا حدث في الصف الخامس الساعة 11:00 صباحاً". يمكن للمعلمين تصميم مهام تربط بين المحتوى والخبرة الشخصية للطالب أو ما دار في نقاشات الصف. مثال: "اربط بين نظرية التي ناقشناها اليوم وبين تجربة مررت بها خلال التدريب العملي في المستشفى". هذا النوع من الأسئلة يتطلب توظيف الذاكرة الشخصية والسياق الخاص بالمقرر، وهي عناصر يفتقر إليها النموذج اللغوي العام.

 

4. مهام "نقد" الذكاء الاصطناعي (Critiquing AI Output)

يتحول الذكاء الاصطناعي من "أداة للغش" إلى "مادة للتعلم". يمكن للمعلم أن يقدم للطلاب إجابة قدمها الذكاء الاصطناعي عن سؤال معين، ويطلب منهم:

·      تحديد الأخطاء الواقعية في الإجابة.

·      كشف التحيزات (Bias) المحتملة.

·      إضافة نقد فكر للمحتوى المقدم.

·      في هذا السيناريو، لا يقيس المعلم قدرة الطالب على "الكتابة"، بل يقيّم قدرته على "التحليل والتقييم"، وهي مهارة في أعلى سلم التفكير (Bloom's Taxonomy).

 

5. استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي كجزء من التقييم

تسير جامعة ميشيغان أبعد من ذلك، حيث يتم تطوير تقييمات تعتمد أساساً على مهارة الطلاب في استخدام الأدوات. في تخصصات علوم البيانات والبرمجة، يُطلب من الطلاب كتابة "أوامر" (Prompts) دقيقة للغاية لحل مسألة برمجية معينة، أو تصحيح كود مولد بالذكاء الاصطناعي يحتوي على أخطاء. هنا، التقييم يرتكز على "الكفاءة التقنية والبحثية" في استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة إنتاجية.

 

المحور الخامس: الأخلاقيات، الخصوصية، والسياسات المؤسسية

إن الاندفاع نحو توظيف الذكاء الاصطناعي يجب أن يقابله وعي حاد بالمخاطر والاعتبارات الأخلاقية. تتفق جميع الجامعات التي تمت مراجعتها على مجموعة من المحاور الحاسمة:

1. مشكلة "الأوهام" وموثوقية المعلومات (Hallucinations)

كما ذكرنا، تنتج النماذج اللغوية الكبيرة أحياناً معلومات غير صحيحة ولكن بثقة تامة. في التعليم، هذا خطير. لذلك، يجب أن يكون هناك تعليم صريح للطلاب بعدم الوثوق المطلق بالمخرجات، وأن عملية "التحقق البشري" هي مهارة أساسية يجب تعزيزها. الذكاء الاصطناعي يفكر مثل "متنبئ" إحصائي، وليس مثل عالم يحقق في الحقائق، وهذا الفرق يجب أن يكون في ذهن كل متعلم.

 

2. التحيز والشمولية (Bias and Inclusivity)

تتعلم هذه النماذج من بيانات ضخمة تم جمعها من الإنترنت، وهي بيانات تعكس التحيزات البشرية والعنصرية والجندرية الموجودة في المجتمع. لذلك، قد تخرج أدوات الذكاء الاصطناعي بمحتوى يسيء لفئات معينة أو يطرح نماذج ثقافية غالبة. توصي جامعة أكسفورد باستخدام هذه اللحظات كفرص تعليمية، حيث يتم دعوة الطلاب لتحليل النصوص المولدة بحثاً عن التحيزات ومناقشتها. كما يجب على المعلمين أن يكونوا حذرين في اختيار الصور والقصص التي يولدونها عبر الذكاء الاصطناعي لضمان شموليتها واحترامها للتنوع الثقافي للطلاب.

 

3. الخصوصية وحماية البيانات (Privacy and Data Protection)

تحذر جميع الجامعات، وبشدة جامعة هارفارد وأكسفورد، من إدخال بيانات حساسة أو خاصة في الأدوات المجانية المتاحة للعامة. أدوات مثل ChatGPT (في نسختها المجانية القديمة) قد تستخدم المدخلات لتدريب نماذجها مستقبلاً، مما يعني أن بيانات الطلاب، أو أبحاثهم غير المنشورة، أو نتائجهم الأكاديمية قد تتسرب وتصبح جزءاً من "المعرفة العامة".

لذلك، تدفع الجامعات نحو استخدام "النسخ المؤسسية" (Institutional Versions) من هذه الأدوات، مثل U-M GPT في جامعة ميشيغان، والتي تضمن أن البيانات تظل داخل خوادم الجامعة الآمنة ولا تستخدم لتدريب أي نموذج خارجي. كما يجب الالتزام بقوانين مثل FERPA (في أمريكا) أو اللوائح الأوروبية المماثلة لحماية بيانات المتعلمين.

 

4. الشفافية والإسناد (Transparency and Attribution)

تتطلب أخلاقيات الأمانة الأكاديمية في عصر الذكاء الاصطناعي تحديثاً مستمراً. إن استخدام الذكاء الاصطناعي ليس "غشاً" حتمياً إذا تم استخدامها بشكل مسؤول ومعلن. تقترح جامعة جونز هوبكنز أن تشمل سياسات المقررات (Syllabus Statements) بوضوح:

·      ما هو مسموح استخدامه (مثلاً: للأفكار، أو للتنسيق، أو للتدقيق اللغوي).

·      ما هو ممنوع (مثلاً: كتابة المقال بالكامل دون تدخل).

·      كيف يوثق الطلاب استخدامه للذكاء الاصطناعي (مثلاً: "استخدمت ChatGPT لصياغة مخطط العمل، وتوليد الأفكار الأولى لهذا البحث").

بناء هذه القواعد بشكل تشاركي مع الطلاب (Co-creating norms) كما تقترح جامعة هارفارد يزيد من شعورهم بالمسؤولية والالتزام.

 

المحور السادس: الاستعداد المستقبلي ومحو أمية الذكاء الاصطناعي

إن المشهد التعليمي الجامعي لا يتحول فقط من خلال أدوات اليوم، بل من خلال الاستعداد لمهارات الغد. تبرز جامعة ميشيغان كنموذج رائد في هذا المجال من خلال استراتيجيتها طويلة المدى التي تتجاوز التجريب إلى البناء المؤسسي.

 

1. الجامعات كمبتكرة لمستقبل التعليم

بدلاً من الاعتماد على الحلول الجاهزة من شركات التكنولوجيا الكبرى، قامت جامعة ميشيغان ببناء بنيتها التحتية الخاصة، بما في ذلك أداة "Maizey" التي تتيح للدوائر والأقسام بناء بوتات ذكاء اصطناعي متخصصة على محتواها الخاص. هذا يمثل نموذجاً للسيادة الأكاديمية في العصر الرقمي، حيث تتحكم الجامعة في البيانات والخوارزميات التي تخدم طلابها.

 

2. محو أمية الذكاء الاصطناعي (AI Literacy)

لن يقتصر محتوى التعليم في المستقبل على المعارض الخاصة بالتخصصات، بل سيتضمن بالضرورة "محو أمية الذكاء الاصطناعي". تشير مبادرات جامعة ميشيغان لتقديم أكثر من 35 دورة قصيرة أونلاين حول الذكاء الاصطناعي إلى أن فهم هذه التقنيات أصبح مهارة أساسية لكل الخريجين، سواء كانوا في القانون، أو الطب، أو الهندسة، أو الفنون. الطالب الذي لا يفهم كيف تعمل الخوارزميات ولماذا قد تكون متحيزة سيكون عاجزاً عن ممارسة مهنته بكفاءة في المستقبل.

 

3. التكامل بين التخصصات

إن أحد أهم دروس استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم هو تكسير الحواجز بين التخصصات. المشاريع التي تم عرضها من جامعة ميشيغان تظهر كيمياء حقيقية بين الأدوات البرمجية والتخصصات الطبية والفنية. استخدام الذكاء الاصطناعي في التوليد الموسيقي، أو في تصميم العناصر المعمارية، أو في تحليل القضايا القانونية، يعني أن مستقبل التعليم ستكون فيه الحدود بين "التقني" و"الإنساني" أكثر تداخلاً من أي وقت مضى.

 

الخاتمة

في خضم هذا التحول الرقمي الكاسح، يتضح أن توظيف الذكاء الاصطناعي في التعليم ليس مجرد عملية "استيراد تقني"، بل هو مشروع إصلاح بيداغوجي شامل. تؤكد مقترحات جامعات هارفارد، وأكسفورد، وجونز هوبكنز، وميشيغان أن النجاح لا يكمن في مجرد توفير الأدوات للطلاب والمعلمين، بل في إعادة تصور البيئة التعليمية بأكملها.

إن المستقبل للجامعات التي تجرؤ على "إعادة الاختراع". كما قالت القيادات الأكاديمية في جامعة ميشيغان، إن هذا هو "زمن إعادة الاختراع" (Time for Reinvention).  إن الجامعات التي ستفشل ليست تلك التي تستخدم الذكاء الاصطناعي ببطء، بل تلك التي ترفض القيادة في تحديد دوره ووظيفته. ولن يكون المعلم الغد مجرد ناقل للمعلومات، بل "مهندس تعليمي" يقود الطلاب في رحلة استكشافية مدعومة بقدرات هائلة للحوسبة، لكنها موجهة دائماً ببصيرة الإنسان، وقيمه، وسعيه المستمر للمعرفة.

 

قائمة المراجع

 

[1]    Harvard University, "Teach with Generative AI," Harvard University, 2023. [Online]. Available: https://www.harvard.edu/ai/teaching-resources/.

[2]    University of Oxford, "AI Tools in Teaching," Centre for Teaching and Learning, 2023. [Online]. Available: https://www.ctl.ox.ac.uk/ai-tools-in-teaching.

[3]    Johns Hopkins University, "Generative AI and Assessment Strategies," Center for Teaching Excellence and Innovation, 2023. [Online]. Available: https://teaching.jhu.edu/university-teaching-policies/generative-ai/assessment-strategies/.

[4]    University of Michigan, "AI @ U-M – Center for Academic Innovation," University of Michigan, 2024. [Online]. Available: https://ai.umich.edu/.

[5]    J. DeVaney, "Center Explores, Experiments with Generative AI’s Potential Role in Teaching and Learning," University of Michigan News, 2023.

[6]    L. McCauley et al., "U-M Faculty, Center for Academic Innovation Developing 35+ Online Courses Focused on Generative Artificial Intelligence in the Workplace," University of Michigan News, 2024.

[7]    "M. Pollack: AI’s Impact on Higher Ed," Cornell University, 2023. (Referenced within Michigan's discourse).

[8]    J. DeVaney and A. Dittmar, "Time for Reinvention: Universities Must Define AI’s Role in Education," University of Michigan News, 2024.

[9]    Center for Academic Innovation, "CAI Announces New Generative AI Projects to Support Teaching and Learning," University of Michigan, 2024.

[10]  Sweetland Writing Center, "Using GraderGPT for Assessment Consistency," University of Michigan LSA, 2023.

[11]  Y. Sevryugina et al., "Integrating Maizey and LearningClues into Biochemistry Courses," University of Michigan, 2024.

[12]  L. Sano, "Improving Writing Feedback with Generative AI," University of Michigan, 2023.

[13]  J. D. Brooks, "Scalable Instructional Solutions for Online Students," University of Michigan School of Information, 2024.

[14]  D. Belmonte, "Generative AI Chatbots for Clinical Skills Training," University of Michigan Medical School, 2024.

[15]  H. Dong, "Generative AI Tools in Music Education," University of Michigan School of Music, Theatre & Dance, 2024.

[16]  K. Collins-Thompson, "AI-Powered Mock Interviews for Data Science Students," University of Michigan, 2024.

[17]  "ChatGPT Teach-Out," University of Michigan Online, 2023.

[18]  "Generative AI Essentials," University of Michigan Online, 2024.

Thursday, June 19, 2025

استراتيجيات العلاقات الدولية في تعزيز العلاقات الدبلوماسية

في عالم مترابط بشكل متزايد، تطورت الدبلوماسية لتتجاوز التفاعلات التقليدية بين الحكومات، لتشمل استراتيجيات تواصل أوسع ومتعددة الأوجه تستهدف جمهورًا متنوعًا. برزت العلاقات العامة الدولية كأداة حاسمة في هذا التطور، حيث تعمل كجسر بين الدول، تعزز التفاهم المتبادل، وتدعم العلاقات الدبلوماسية. من خلال الاستفادة من التواصل الاستراتيجي، تسهل العلاقات العامة الدولية تبادل الأفكار والقيم والسياسات، مما يساعد على تخفيف الصراعات، بناء الثقة، وتعزيز التعاون. تستكشف هذه المقدمة الدور المحوري لاستراتيجيات العلاقات العامة الدولية في تعزيز العلاقات الدبلوماسية من خلال تحسين التواصل، مستندة إلى الأطر النظرية، الأمثلة التاريخية، والممارسات المعاصرة. كما تسلط الضوء على كيفية مساهمة العلاقات العامة في بناء العلامة التجارية الوطنية، والدبلوماسية العامة، وإدارة الأزمات، والحوار عبر الثقافات، مع معالجة التحديات مثل المعلومات المغلوطة، الحساسيات الثقافية، والاعتبارات الأخلاقية.

تطور الدبلوماسية وصعود العلاقات العامة

لقد شهدت الدبلوماسية، التي تُعرف تاريخيًا بأنها فن إجراء المفاوضات بين الدول، تحولًا كبيرًا في القرن الحادي والعشرين. كانت الدبلوماسية التقليدية، التي غالبًا ما تُجرى خلف الأبواب المغلقة، تعتمد على التفاعلات النخبوية والاتفاقيات الرسمية. ومع ذلك، أدت العولمة، والتطورات التكنولوجية، ودمقرطة المعلومات إلى تحول الدبلوماسية نحو نموذج أكثر شمولية، يُشار إليه غالبًا بـ "الدبلوماسية العامة". تركز الدبلوماسية العامة على التفاعل مع الجمهور الأجنبي، بهدف التأثير على التصورات وتعزيز النوايا الحسنة من خلال التبادل الثقافي، والإعلام، والتواصل الاستراتيجي. تتماشى العلاقات العامة الدولية، كتخصص، بشكل وثيق مع الدبلوماسية العامة، حيث توفر الأدوات والأطر اللازمة لصياغة ونشر الرسائل التي تتردد صداها مع جمهور متنوع.

إن العلاقات العامة، في جوهرها، هي إدارة التواصل بين منظمة، أو في هذه الحالة، دولة، وجمهورها. في السياق الدولي، تُصمم استراتيجيات العلاقات العامة لتتنقل في بيئات جيوسياسية وثقافية واجتماعية معقدة. تشمل الدبلوماسية العامة خمسة عناصر أساسية: الاستماع، والدعوة، والدبلوماسية الثقافية، والدبلوماسية التبادلية، والبث الدولي. يلعب محترفو العلاقات العامة دورًا حاسمًا في تنفيذ هذه العناصر من خلال تطوير الحملات، إدارة العلاقات الإعلامية، وبناء العلاقات مع أصحاب المصلحة. على سبيل المثال، استخدام وزارة الخارجية الأمريكية لمنصات التواصل الاجتماعي مثل تويتر للتفاعل مع الجمهور العالمي يُظهر كيف تعزز تكتيكات العلاقات العامة التوسع الدبلوماسي.

يعكس دمج العلاقات العامة في الدبلوماسية الإدراك بأن التصورات لا تقل أهمية عن السياسات في العلاقات الدولية. يؤكد مفهوم جوزيف ناي لـ "القوة الناعمة"—القدرة على الجذب والإقناع بدلاً من الإكراه—على أهمية التواصل في تشكيل صورة الدولة. تُنفذ استراتيجيات العلاقات العامة القوة الناعمة من خلال صياغة روايات تسلط الضوء على قيم الدولة، ثقافتها، ومساهماتها في القضايا العالمية. على سبيل المثال، استخدمت السويد حملة "السياسة الخارجية النسوية"، التي أُطلقت في عام 2014، العلاقات العامة لتضع الدولة كرائدة في المساواة بين الجنسين، مما عزز نفوذها الدبلوماسي . تُظهر هذه المبادرات كيف يمكن للتواصل الاستراتيجي أن يوفق بين المصالح الوطنية والتصورات العالمية، مما يعزز العلاقات الدبلوماسية.

الأطر النظرية التي تدعم العلاقات العامة الدولية في الدبلوماسية

تؤكد نظرية التميز على التواصل الثنائي المتماثل، حيث تتفاعل المنظمات (أو الدول) في حوار مع الجمهور لبناء تفاهم متبادل. هذا النهج ذو صلة خاصة بالدبلوماسية، حيث يعد الاستماع إلى الجمهور الأجنبي بنفس أهمية الدفاع عن السياسات الوطنية.

إطار آخر ذو صلة هو نظرية إدارة العلاقات، التي تقترح أن العلاقات العامة تتعلق ببناء وصيانة العلاقات مع أصحاب المصلحة. تعد العلاقات مع الجمهور الأجنبي في الدبلوماسية، والإعلام، والمؤثرين قضية حيوية لبناء الثقة على المدى الطويل. تُظهر معاهد كونفوشيوس الصينية، التي أُسست لتعزيز اللغة والثقافة الصينية، بناء العلاقات من خلال التوسع التعليمي، على الرغم من أن تأثيرها مثير للجدل بسبب مخاوف من الدعاية.

كما تشرح نظرية الإطار (Entman, 1993) كيف يشكل محترفو العلاقات العامة الروايات للتأثير على التصورات. في الدبلوماسية، يُستخدم الإطار لتقديم السياسات أو الأفعال بطرق تتماشى مع أهداف الدولة. على سبيل المثال، خلال مفاوضات صفقة إيران النووية في عام 2015، استخدمت الولايات المتحدة الإطار الاستراتيجي لتؤكد على الدبلوماسية بدلاً من العمل العسكري، مكتسبة دعمًا عامًا محليًا وعالميًا . يعد الإطار فعالًا بشكل خاص في الدبلوماسية الرقمية، حيث يمكن للرسائل الموجزة على منصات مثل إكس تشكيل الروايات العالمية في الوقت الحقيقي.

أخيرًا، يؤكد إطار الوسطاء الثقافيين (Bourdieu, 1984) على دور محترفي العلاقات العامة كوسطاء يتنقلون في الاختلافات الثقافية لتسهيل التواصل. هذا ذو صلة خاصة في الدبلوماسية عبر الثقافات، حيث يمكن أن تُصعد سوء الفهم التوترات. تعتمد حملة "اليابان الرائعة"، التي تروج للثقافة الشعبية اليابانية عالميًا، على محترفي العلاقات العامة لتكييف الرسائل مع سياقات ثقافية مختلفة، مما يعزز القوة الناعمة لليابان والعلاقات الدبلوماسية.

التطبيقات العملية للعلاقات العامة الدولية في الدبلوماسية

تتجلى استراتيجيات العلاقات العامة الدولية بأشكال متنوعة، كل منها يسهم في تعزيز العلاقات الدبلوماسية. فيما يلي التطبيقات الرئيسة، مدعومة بأمثلة من العالم الحقيقي.

1.   بناء العلامة التجارية الوطنية

يتضمن بناء العلامة التجارية الوطنية خلق هوية مميزة لدولة لتعزيز سمعتها العالمية (Anholt, 2007). تلعب العلاقات العامة دورًا مركزيًا في صياغة وتسويق هذه الهوية. على سبيل المثال، رفعت حملة "هاليو" (الموجة الكورية) في كوريا الجنوبية، المدفوعة بالموسيقى الكورية والدراما، من التأثير الثقافي للدولة، مما عزز النوايا الحسنة والعلاقات الاقتصادية مع دول مثل الولايات المتحدة وجنوب شرق آسيا (Kim, 2018). تتعاون وزارة الثقافة والرياضة والسياحة في كوريا الجنوبية مع وكالات العلاقات العامة لتضخيم هاليو عالميًا، مما يُظهر كيف يعزز التواصل الاستراتيجي العلاقات الدبلوماسية.

وبالمثل، كان استضافة قطر لكأس العالم FIFA 2022 تمرينًا لبناء العلامة التجارية الوطنية، حيث عرضت حداثتها وكرم ضيافتها. على الرغم من الجدل حول حقوق العمال، ركزت حملات العلاقات العامة في قطر على استثماراتها في البنية التحتية والتبادل الثقافي، مما خفف من الانتقادات وعزز مكانتها الدبلوماسية (Brannagan & Giulianotti, 2015).

2.    حملات الدبلوماسية العامة

تستخدم حملات الدبلوماسية العامة العلاقات العامة للتفاعل مع الجمهور الأجنبي مباشرة. إن حملة "القيم المشتركة" الأمريكية، التي أُطلقت بعد هجمات 11 سبتمبر، هدفت إلى مواجهة المشاعر المناهضة لأمريكا في العالم الإسلامي من خلال إبراز القيم الثقافية المشتركة. على الرغم من تحديات التشكيك، أكدت الحملة على إمكانيات العلاقات العامة لإضفاء طابع إنساني على صورة الدولة. في الآونة الأخيرة، تستخدم حملة #نحن.أوروبا التابعة للاتحاد الأوروبي وسائل التواصل الاجتماعي لتعزيز الوحدة والقيم المشتركة، مما يعزز التماسك الدبلوماسي بين الدول الأعضاء.

3.    إدارة الأزمات

تتطلب الأزمات الدبلوماسية، مثل النزاعات التجارية أو التوترات العسكرية، تواصلًا استراتيجيًا سريعًا. يدير محترفو العلاقات العامة الروايات لتهدئة الصراعات والحفاظ على العلاقات.

4.    الدبلوماسية الرقمية

أحدثت ظهور المنصات الرقمية ثورة في التواصل الدبلوماسي. إذ تتيح وسائل التواصل الاجتماعي للدول التفاعل مع الجمهور العالمي على الفور، متجاوزة حركة العاملين في الإعلام التقليديين. كما تمكن الدبلوماسية الرقمية من إدارة الأزمات في الوقت الحقيقي.

5.     التبادلات الثقافية والتعليمية

تعتمد الدبلوماسية الثقافية، وهي فرع من الدبلوماسية العامة، على العلاقات العامة لتعزيز التفاهم المتبادل. وتعمل برامج مثل معهد جوته الألماني أو تحالف فرانسيز الفرنسي على تنظيم فعاليات تعرض الثقافة الوطنية بينما تعزز الحوار. تبني هذه المبادرات الثقة وتخلق شبكات تدعم الأهداف الدبلوماسية. على سبيل المثال، أنتج برنامج فولبرايت الأمريكي، الذي أُسس في عام 1946، آلاف الخريجين الذين يعملون كسفراء غير رسميين، مما يعزز العلاقات الأمريكية عالميًا.

التحديات في تنفيذ استراتيجيات العلاقات العامة الدولية

على الرغم من إمكانياتها، تواجه العلاقات العامة الدولية في الدبلوماسية عدة تحديات. أولًا، سوء الفهم الثقافي يمكن أن يقوض الحملات. على سبيل المثال، تعرضت حملة السياحة الصينية في المملكة المتحدة عام 2013، التي كانت تهدف إلى تعزيز النوايا الحسنة، للانتقاد بسبب تصويرها النمطي للثقافة البريطانية، مما يبرز الحاجة إلى الحساسية الثقافية. يجب على محترفي العلاقات العامة إجراء تحليل دقيق للجمهور لتجنب هذه الأخطاء.

ثانيًا، المعلومات المغلوطة والتضليل تشكل مخاطر كبيرة. يمكن أن يشوه انتشار الأخبار المزيفة على منصات مثل إكس الروايات الدبلوماسية، كما رُأي خلال النزاع الروسي الأوكراني عام 2022، حيث استخدم الطرفان العلاقات العامة لتشكيل المتصورات العالمية. يتطلب مكافحة المعلومات المغلوطة تواصلاً شفافًا وموثوقًا، وهو ما يجب أن تعطيه استراتيجيات العلاقات العامة الأولوية.

ثالثًا، المعضلات الأخلاقية تنشأ عندما تقترب العلاقات العامة من الدعاية. على سبيل المثال، اُتُهمت مبادرة الحزام والطريق الصينية باستخدام وسائل إعلام مدفوعة بالعلاقات العامة لتعزيز رواية أحادية الجانب، مما يقوض الثقة بنواياها. تلتزم العلاقات العامة الأخلاقية بمبادئ الصدقية والشفافية، كما هو موضح في رابطة العلاقات العامة الدولية IPRA

رابعًا، التفاوتات في الموارد تحد من قدرة بعض الدول على تنفيذ علاقات عامة فعالة. تستثمر الدول الأغنى مثل الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة بشكل كبير في الدبلوماسية العامة، بينما تكافح الدول النامية للمنافسة. يمكن أن تساعد الشراكات الدولية وبرامج بناء القدرات في معالجة هذا التوازن.

أخيرًا، يظل قياس الأثر تحديًا. على عكس العلاقات العامة التجارية، حيث تكون المقاييس مثل المبيعات واضحة، فإن نجاح العلاقات العامة الدبلوماسية أصعب في التكميم. يدعو العلماء إلى مقاييس نوعية، مثل بناء الثقة وجملة العلاقات، ولكن لا يوجد إجماع على طرق التقييم.

مستقبل العلاقات العامة الدولية في الدبلوماسية

ستستمر العلاقات العامة الدولية في التطور استجابةً للاتجاهات العالمية. كما سيمكن الذكاء الاصطناعي وتحليلات البيانات من تواصل أكثر فاعلية وتركيزا، مما يسمح للدول بتكييف رسائل محددة لجماهير محددة. ومع ذلك، يتطلب الذكاء الاصطناعي رقابة دقيقة. بالإضافة إلى ذلك، ستوسع الأهمية المتزايدة للاطراف غير الحكومية، مثل المنظمات غير الحكومية والشركات، في الدبلوماسية دور العلاقات العامة في الشراكات متعددة أصحاب المصالح.

ستوفر تغير المناخ والصحة العالمية، كقضايا عالمية، فرصًا لحملات علاقات عامة تعاونية. على سبيل المثال، دعم اتفاقيات المناخ جهود العلاقات العامة لتعبئة الدعم العام، موضحةً كيف يمكن للتواصل توحيد الدول. من المرجح أن تركز الحملات المستقبلية على التحديات المشتركة، مما يعزز التعاون الدبلوماسي.

ستتيح دمقرطة منصات التواصل نفوذًا أكبر للدول الصغيرة والمجموعات المهمشة. وستعزز استراتيجيات العلاقات العامة التي تُضخم الأصوات الأصلية وتعزز الشمولية العلاقات الدبلوماسية في عالم متعدد الأقطاب بشكل متزايد.

وأخيراً، تعد استراتيجيات العلاقات العامة الدولية لا غنى عنها لتعزيز العلاقات الدبلوماسية من خلال تحسين التواصل وتنفيذ القوة الناعمة، والتنقل عبر التعقيدات الثقافية، والتفاعل مع جمهور متنوع، تقلص العلاقات العامة الفجوة بين الدول وجمهورها، وتعزز الثقة والتعاون. واثناء بناء العلامة حتى إدارة الأزمات، تتعدد تطبيقات العلاقات العامة في الدبلوماسية، لكن التحديات مثل المعلومات المغلوطة والحساسيات الثقافية تتطلب اهتمامًا مستمرًا. ومع تطور المنافس العالمي، ستظل العلاقات العامة أداة ديناميكية للدبلوماسية، متكيفة مع التكنولوجيات الجديدة والأولويات، مع الالتزام بالمعايير الأخلاقية.